مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

جميلةُ تموز بقلم بلال حسان الحمداني

جميلةُ تموز
بلال حسان الحمداني
9/7/2022
9/7/2026

في صباحِ عيدِ الأضحى من عامِ 2022، انبلجَ الصبحُ عن ولادةِ ابنةِ عمّي “إسلام”. أستدعي الآنَ تلكَ اللحظاتِ مع تنفّسِ الفجر، حينَ دخلَ عليّ عمّي يستعجلني لأرافقهُ إلى المشفى.
تأففتُ بادئَ الأمرِ قائلاً: “اليومَ عيد! ألم تجد زوجتُكَ غيرَ هذا اليومِ لتضعَ فيهِ حملَها؟ وهل سأقضي عيدي بينَ جدرانِ المشافي؟”. فداعبني كعادتِهِ مبتسماً: “هيّا، لو وُلدَ لي ذكَرٌ سأسميهِ على اسمِك”.
غدونا آنذاك، لكنها وضعتْها أنثى، وكانَ وجهُها منبلجاً كذاكَ الصباحِ الأغرّ. سمّاها عمّي “إسلام”؛ تيمناً باسمِ ابنةِ عمّي الشهيد، وقضيتُ حيناً من الزمنِ أُمازحها وأسمّيها “عيدة”؛ لأنها وُلدتْ في صباحِ العيد.
وشاءَ اللهُ أن أُسجنَ بعدَ ولادتِها بشهرينِ ونصف، وحينَ خرجتُ بعدَ أربعةِ شهورٍ ونصفٍ كانت قد بدأتْ تحبو. وما إنْ راحت تخطو خطواتِها الأولى حتى رأيتُني أزدادُ حبّاً وتعلّقاً بها؛ وهذا ديدني، إذ أميلُ بفطرتي إلى الأطفالِ في هذا العُمر. وحينما بدأت تعي وتكبرُ وينطلقُ لسانُها، ضممتُها إلى قائمةِ الأطفالِ الأقربِ إلى قلبي، ألا وهنّ إناثُ عمّي اللواتي أمسينَ أربعاً، لا يجرؤُ أحدٌ من الذكورِ على المساسِ بهنّ أو إزعاجهنّ.
مضتِ السنون، وفي الآونةِ الأخيرةِ تحديداً، وجدتُني أتعلقُ بها وبأختِها التي تكبرُها “روعة” أكثرَ فأكثر. وأصبحت “إسلام” أشدَّ تعلقاً بي وقرباً منّي، لا تبرحُ تثرثرُ لي بكلّ ما تحبُّ وتألفُ كلما ذهبتُ لزيارتِهم. وكم من مرّةٍ انكبتْ في حضني باكيةً تشكو لي خَطْباً ألمّ بها، فيغمرني دفءٌ عجيبٌ، وتتبددُ بهِ وحشتي.
لقد بدأتْ أماراتُ شخصيتِها تتجلّى؛ روحٌ مَرِحةٌ، ونفسٌ مرهفةُ الحسّ. وإنّي واللهِ لا أسعدُ بشيءٍ في هذهِ الدنيا قَدْرَ سعادتي بأن أراها وأخواتِها تغمرهُنّ الفرحةُ، وأن أُبصرَ ضحكاتِهِنّ تتراقصُ على وجناتِهِنّ.
أرفعُ أكفَّ ضراعتي إلى اللهِ أن تحيا في بحبوحةٍ من السعادةِ ورغدِ العيش، وألا تُجرّعَها الحياةُ مرارةَ القسوة، وأن تعيشَ في كنفِ الحبِّ والحنوِّ والطمأنينةِ والراحة. جعلكِ اللهُ يا ابنتي ممن طالَ عمرُهُم وحَسُنَ عملُهم.
بلال..
الذي يحبُّكِ، وإن غابَ يوماً فتذكري أنّهُ شهدَ ولادتَكِ، وكانَ لسانَكِ الناطقَ الذي يترجمُ لغتهمِ الأعجميّةَ من أجلِكِ.
قونيا 9/7/2026