مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ضياء الحق في ليل الجور بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي

ضياء الحق في ليل الجور

الكاتب: فلاح كريم العراقي

 

يا زمانَ القلوب المقهورة، حيث الرمال تمتدّ بلا حدود، والجبال شامخةً شاهدةً على خفقات الأرواح، كان زيدان يولد كل يومٍ محمولًا على همٍّ صامت، وبصوت الأرض يتجلّى صدى المظلومين.

دخل زيدان السوقَ، فإذا بالنساء والأطفال، وجوههم كالنجوم المكدودة، عيونهم تنبض حزنًا، وأياديهم تمتدّ طلبًا للخبز، والحق محجوب خلف جدران القصر، والطغاة يركعون على إرادة الضعفاء.

فقال زيدان في صدره: “أهذا قدر البشر؟ أهذا نصيب الضعفاء؟” وارتفعت همومه كجبالٍ على صدره، لكنه لم يركع، ولم يلين قلبه عن الحق، بل صار صوته صدىً في صحراء الصمت، ونوره شعاعًا في ليل الجور.

وفي مساءٍ وهاجت فيه الشمس كدمعةٍ غارقةٍ في الأفق، التقى شيخًا من الحكماء، لابسًا برداء أبيض، ووجهه نورٌ يفيض سكينةً، قال له: “يا بني، إن الظلم نارٌ تلتهم القلوب قبل الأبدان، والحق كسيفٍ صامتٍ لا يُبطل إلا بالصبر والعمل. كن كالواحة في صحراءٍ قاحلة، تمنح العطشى ماءها رغم جفاف الأرض.”

فخرج زيدان، يسير بين الطغاة والقلوب المنكسرة، يرفع الظلم بالكلمة والعمل، يزرع الأمل في القلوب المقهورة، وينسج العدل كما ينسج النسّاج خيوط الحرير على دثار الليل، صامدًا كالجبال في وجه الرياح، ثابتًا كالنخيل في وجه العواصف.

وكلما ضاقت به الدنيا، رفع يديه إلى السماء، يدعو:

“اللهم يا من لا يُظلم عنده شيء، اجعل قلوب الظالمين رحيمة، واهدِ البعيدين عن الحق، وارزقنا قوةً لنرفع المظلومين، وصبرًا لا ينفد في مواجهة الطغاة، واجعل لكل ظلمٍ فرجًا، ولكل دمعةٍ ضياءً، وارزق الأرض عدلاً يعمّ كل فلاة، ويضيء قلوب العباد، كما يضيء الفجر وجوه العاشقين للحق.”

ومضى زيدان في الديار، صامدًا، مثالًا للعدل والشجاعة، وضياءً في ظلام الجور، حتى صار الناس يسمونه الحكيم، وتعلموا من صموده أن الظلم مهما طال، لا يدوم، وأن دعاء القلب الصادق يزرع العدل كما يزرع المطر الحياة في الصحراء، ويُحيي القلوب التي فقدت الأمل.