صلحٌ مستحيل
الكاتب: هانى الميهى
أسهل عليَّ أن أعقد الصلح بين بلاد أوروبا كلّها، أن أطفئ نيران الحروب بينهم، وأن أجمع أشتات الشعوب حول طاولة واحدة، يتفقون على كلمة سواء، ولو بعد قرون من الصراع والدماء؛ من أن أعقده بين امرأتين بينهما عداوة.
فالعداوة بين الأمم قد تُبنى على مصالح، وقد تذوب بمرور الزمن تحت ضغط الحاجة، أما عداوة النساء فغالبًا ما تُبنى على جراح دفينة لا تُرى، وعلى مشاعر يصعب تفكيكها أو تهدئتها. هي ليست حربًا على أرضٍ أو حدود، بل حرب على ذاكرة، وذاكرة المرأة لا تعرف النسيان.
المرأة قد تُسامح إذا أهانها الزمن، وقد تبتسم إن جارت عليها الأيام، لكنها نادرًا ما تغفر لامرأة مثلها إذا كسرتها أو نافستها أو سلبتها مكانًا رأت أنه لها. عداوة النساء ليست سجالاً بالعقل والمنطق، بل معركة تُدار بالوجدان والغيرة والكبرياء، وأحيانًا بالحب الذي انقلب يومًا ما إلى غيرة وحقد.
كم من ملوك تصالحوا بعد دماء، وكم من دول تنازلت عن أراضٍ بعد مئات السنين، لكن امرأتين متعاديتين؟! ذلك صلح لا يكتبه التاريخ إلا نادرًا، وإذا كُتب، ظل معلقًا بالشكوك، هشًّا كأنه معاهدة سلام على ورق مبلل.
تأملتُ كثيرًا، فوجدت أن أصعب الحروب ليست تلك التي يطلق فيها المدافع، بل تلك التي يطلقها القلب حين يتحول إلى ساحة مشاعر متناقضة، وأن أشرس الأعداء ليسوا دائمًا من يواجهونك بالسلاح، بل من يواجهونك بالغيرة والحقد والذاكرة التي لا تُغلق.
فمن يعقد صلحًا بين امرأتين متعاديتين، أليس أحق أن يُلقب بصانع المعجزات؟






المزيد
بين الكتمان والطمأنينة بقلم ابن الصعيد الهواري
بين الخوف والتعوّد… يولد الاتزان بقلم ابن الصعيد الهواري
حين تتكئ النفس على نفسها… وتكتشف وجوه الطريق بقلم ابن الصعيد الهواري