لِسُهيلة أحمد عامر
كانت السماء شاهدة على ألم ذلك اليوم. الطفلة نهال، التي لا تزال تحتفظ ببراءتها رغم ألم المرض، وقفت عند محطة القطار تودعني. نهال، تلك الطفلة التي حملت حب طفولتي، كانت مريضة بالسرطان، لكن وجهها لم يعرف الاستسلام.
عندما بدأ القطار بالتحرك، رفعت كفها الصغير، فرفعت كفي الصغير ليقابله. بيننا نافذة ومسافات، بيننا وداع يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. كانت عيناها تقولان كل شيء، ولم أكن أملك سوى أن أبادلها النظرات. فجأة، وكأنما أرادت الحياة أن تختصر دروسها القاسية في لحظة واحدة، سقطت نهال على أرض المحطة.
من نافذتي الصغيرة، شاهدت جسدها الصغير ينهار أمامي. كان القطار يتحرك، وكنت أنا عاجزاً عن إيقافه، عاجزاً عن فهم ما يحدث. كطفل، لم أكن أعي معنى الموت، لكني شعرت أن جزءاً من روحي قد انسلخ وغادر مع نهال. المحطة، القطار، كفوفنا الصغيرة، كل شيء كان شاهداً على الفاجعة.
استفاقت فجأة على صوت اصطدام رأسي بخشب السرير. كان حلماً… حلماً مريباً، لكنه أعادني إلى ذكريات طفولتي التي تحمل ألماً بديلاً عني. جلست في سريري، أنظر حولي، وعيناي تقعان على بروازٍ صغير على الحائط. في الصورة، كانت عائلتي… وبينهم أنتِ، حبيبة طفولتي، لكن هذه المرة لم تكن نهال، بل ابنتك التي تشبهك تماماً.
لا أعلم إن كنتِ أنتِ التي عادت لتطاردني من بين الماضي والذكريات، أم أنها شبيهتك التي حكم القدر أن تكون نصيبي. تزوجت شبيهتك، وها هي ابنتنا تكبر حاملة ملامحك وكأنها مرآة تعيدني إليك.
لا أدري إن كان القدر يعيد نفسه أم أنه يسخر منا. لكني أعلم أن الفراق الذي خفته يوماً صار جزءاً من حياتي، وأن حب طفولتي لم يرحل حقاً، بل استمر بطريقة أخرى، بطريقة يكتبها القدر كما يشاء.






المزيد
رثاء العلّامة المحدِّث أ.د / أحمد عمر هاشم بقلم: امل اسماعيل احمد احمد
الكتاب بين الأزمة والتطور بقلم سها مراد
مرآة التخلي بقلم الكاتبة كلثوم الجوراني