كتب:محمد رفعت علي
كلما ازداد شعرى غزارة احسست بالضيق يكاد يخنقنى؛ إذ اعتدت على قصره.
ساقتنى قدماى إلى صالون شارع ٩.. صالون الطبقة الراقية فى مجتمع المعادى.
دفعت الباب الزجاجى غير مترفق، وبدا وجهى متجهمًا؛ ولم يكن سبب تجهمى غزارة شعرى فقط.
جلست إلى مقعد وثير غير مبال بكل الرجال و الفتيان الذين جلس كل منهم مترقبًا تلك الإيماءة الرقيقة من ” المايسترو عباس” حين يأتى دوره.
الصالون دائمًا مزدحم برجال من كل النوعيات وباقات من الفتيان الموسرين وأحياناً أطفال صغار.
ولم يكن من المستغرب أن ترى امرأة أجنبية تجلس وهى ترقب صغيرها مستسلمًا لمقص المايسترو يلتهم شعره الذهبى فى سلاسة، و مبتسمًا أيضًا لمداعباته الرقيقة، وكذا فيض متدفق من الحنان المفعم بالرقة تراه بعين وجدانك كهالة تحف برأس الصغير الملائكى.
لم الحظ تزايد اكتئابى إلا حين بادرنى صديقى هشام بأبتسامة رقيقة هامسًا :
-السماء لاتوشك ان تسقط فوق رؤوسنا!
أردف “عباس” وهو منهمك فى رأس قاض صارم أشد تجهمًا منى بكلمة موحية يحرض بها هشام كى يجعل الحوار أشد دفئاً وليسرى أيضاً عنى حتى يفرغ من الرؤوس المنتظرة بالقائمة بمعاونة صبيانه المهره.
ولم يكن هشام فى حاجة إلى عون ليستأنف حديثه.
- آدم طرد من الجنة بالغواية وسيظل أبدًا هدفًا لغواية حواء ولن تدعه يهنأ بحريته المزعومة، ليس ثمة مفر من الرضوخ لهذه الحقيقة المؤلمة.
استعر الغضب فى صدرى ورمقته بنظرة مستنكره.. من المؤكد أنه يرمى إلى أمر يبطنه؛ وقبل أن أطلق لسانى اللاذع عليه اندفع “عصام شكرى” مهاجمًا إياه :
-لقد خلق الله آدم قبل خلقه حواء.. انتزع ضلعاً فخلقها وسواها منه فى صورتها التي لن تتغير، فهى تتبع آدم بتبعية الخلق ولا يمكنها بالغواية _كما تقول – أن تبدل حقيقة الخلق السرمدية، فكيف تلغو بكلامك عن تخلى آدم عن مرتبته ورضوخه لها بالغواية وهو ظل الله فى أرضه. ؟!
- أنت لاشأن لك بفلسفة الخلق والوجود.
تورد وجه عصام وتحفز لقتاله لكنه آثر كظم غيظه قائلًا :
-حقائق الكون لا تحتاج إلى التفلسف كى نفهم ابعادها بل هى واضحة جلية كالشمس لايراها الأعمى.
احتدم الجدل وعلت جلبته فتدخل عباس بذكائه مهدئًا حدة التراشق وأومأ إلي برأسه مبتسمًا.
اخترت كالعاده مقعد الميمنة وبدأت أصابعه تتحرك ممسكة بالمقص ببراعة عازف آلة وترية ينبعث منها لحن موسيقى، وسنان وخصلات شعرى تتساقط كأفكارى المنهزمة فى رأسى الذي تحول إلى عش دبالير لا يهدأ.
فتحت اجفانى جفلاً عندما احسست بماء الكولونيا يدغدغ وجهى.
انفض الزحام…
جلس عباس إلى جانبى وهو يحدق فى عينى كأنه ينتوى عين الأمر الذي لم يفصح عنه هشام.
- صبرى أربعه شاى بالنعناع.
حاولت النهوض منصرفاِ لكنه أمسك بذراعى وأجلسي عنوه.
- الشاى وثمة أمر آخر أود نقاشه معك.
فطنت إلى ما يريده ولاح لى الأمر واضحًا.
ابتسمت وتريثت مترقبًا.
ازدردت الشاى الساخن لاهثًا غير مبال بسخونته.
اشار عباس باصبعه إلى صبيانه فاسرعوا خارجين فى التو، وتلكأ ميشو أصغرهم لكن نظرة غاضبة منه جعلته يفر كثعلب رشيق.
المايسترو دبر لهذا الأمر فاحكم تدبيره.
خيم على الصالون هدوء أقرب إلى ما يسبق العاصفه.!
- أنا حر أتزوج من شئت لا أحد يلومنى.
-
لا.. من حقى كصديق أن ألومك، فأنت لاتدرى أى منزلق تنزلق قدمك اليه؛ بل كارثة ستحيق بزوجتك وأطفالك… فاتن امرأة لعوب.. نعم هى امرأة ساحرة الجمال لاجدال فى جمالها القاتل، لكنها الشر ذاته وهى ابنة إبليس لايختلف فى نسبها إليه اثنان.
حاتم زوجها السابق غداً موعده عندى.. ستراه كى تعرف ابعاد الكارثة التى تسعى إليها بقدميك.
سلبته شبابه فافترسته الشيخوخة فى عقده الرابع.. تقوس ظهره وصار هزيلاً اعجفًا قد انهكه المرض بعد قضائه عشر سنين محبوساً؛ بعدما سرقت ماله فأفلس وبارت تجارته وتكالبت عليه الديون.
نظرت إليه مبهوتاً قد ألجم لسانى، فلم انطق بكلمة ونهضت متخاذلاً.
الموت عندى أهون من رؤية حاتم.. الرجل أشبه بجثة محنطه لايستطيع الوقوف على قدميه، زائغ البصر كمن أصيب بالزهايمر.
كل ابالسة الجحيم لن تجعلنى اعاند عقلى الذي استفاق من غفلته.!
لقد كسرت اغلالي التي كبلتنى بها، وتحررت من غوايتها الآسره.
غص حلقى عندما فتحت لي زوجتى الباب؛ اسارير وجهها تنطق بفرحة طاغيه.
أيقنت بذكائها الفطرى أن رجلها الشارد قد عاد أخيراً إلى عشها الدافئ.
ابتسمت ولمست شفتى باصبعها؛ فلاحاجة للكلمات… أي كلمات.






المزيد
فتاة الأقحوان
عبر الزمن المجهول
إيناس وويثرب (قصة قصيرة للأطفال)