كتب محمود رمضان الشنتلي:
إذا كانت صفحات المجلات والأخبار انشغلت بأحداث المشاهير والفن، لم ينشغل أحرار القلوب عن الحقيقة التي تفرض نفسها، مهما غُلِّفت بأكاذيب. وكانت إرادتهم ترفض الذل والإهانة، حتى لو كلف هذا روحه وروح من أحب.
كما تفعل الحياة دائمًا معنا، تتساقط بها الأعلام، لا تفرق بين الصالح والطالح؛ كل منهم سيرحل إلى رب رحيم.
عندما يقرأ الشخص عن قصص الأبطال الخارقين، لا يجد أفضل من الصحابة والتابعين. هؤلاء هم الأبطال حقًا، ليس بعض القوى الخيالية السخيفة، بل قوة حقيقية قادرة على تحريك الجبال الراسية. يُصاب الشخص بالذهول منهم، ويقف أمام سؤال: هل هؤلاء حقًا بشر مثلنا أم كائنات أخرى؟ مع تطور هذا السؤال، أصبح يلاحقه سؤال آخر: هل يوجد منهم الآن أم انقرضوا؟ حتى جاءني جواب هذا السؤال بصاعقة هزت كياني من الداخل، عندما سمعت صوتًا ينادي عليّ أثناء سيري بجوار بستان.
لم أعرف من صاحب الصوت، وظللت اسير، ولكن الصوت يزداد حدة حتى تراجعت لأذهب وأعرف مصدر الصوت. من الممكن أن أحدًا يريد المساعدة. عندها رأيت رجلًا يحمل معالم الوقار، ويلبس ثياب الحكمة، ويلفح بالتقوى التي تجعلك لا تستطيع أن تبعد عينك عنه؛ تظل تنظر له دون ملل أو تعب. هل تريد المساعدة في شيء؟
أريد القليل من وقتك فقط.
لم يترك لي خيار الرفض، لأنه أخذ يتحرك وقال: “اتبعني داخل البستان”، حتى وصلنا إلى غرفة من الزجاج. كانت عبارة عن متحف للصور، ولكن ليست أي صور؛ تلك الصور التي تفزع القلب وتشل العقل، ولكن في ذات الوقت تمنح الاطمئنان عندما تقرأها أسفل اللوح، حيث كانت كل صورة تحمل اسم صاحبها. منها لوحة مكتوب أسفلها “الشهيد ياسر أبو ناموس”، وأخرى تحمل “حازم فوزي كوارع”، وغيرهم الكثير، وغير صور الأطفال.
ولكن كانت أغربهم بالنسبة لي صورة لا يظهر لها ملامح غير ابتسامة غريبة، وأغرب من هذا أنها لا تحمل اسم مثل باقي اللوحات.
نظرت إلى الرجل أسأله عن سر الابتسامة وعن أسرار تلك اللوحة، ولكن لم أجده. عندها بدأت أشعر بصداع شديد وهُزال أصاب جسدي، انتهى بفقداني الوعي.
لم أستيقظ سوى على أصوات صراخ أطفال ونحيب نساء وتحركات سريعة واندفاع ناس. في هذه الظروف بدأت أستعيد وعيي ببطء، ولكن فجأة رأيت النار بدأت تشتعل في المكان وتحرق كل شيء.
أخذت أحاول الهرب منها، ولكن لم أجد نفسي إلا محاصرًا بها، وبدأت النار تشتعل بي، ولكن لا اشعر بالالم النار داخل جسدي
لا انا الذي اخترق النار ؛ تركت المكان وهو يحترق والنار لا توثر بي ؛ فى حين ان هناك اناس تصرخ من النار التى تلتهمهم وتحترق كل شيء وانا لا اعرف كيف لا استطيع انقاذهم او لمسهم ؟ خاله هل استطيع مساعدتك في شيء لما لا ترد علي . بدات اصرخ فى الجميع هل هناك احد يسمعنى ما هذا الصوت
امي اين اخي؟ كيف لم يخرج معنا؟
اهدأ يا صغيري، أخوك الآن في مكان أفضل من هذا.
لا، أنا أريد أخي! لقد رأيت النار تمسك به، كيف يكون في مكان أفضل؟
أنت لا تفهم، أخوك الآن شهيد.
وأنا أشتاق إليه، ولقد وعدني أنه سيبقى معي للأبد ويأتي لي بلعبة جديدة غير التي فقدتها في منزلي، والآن لم يبقَ منه غير يده التي نُقِشَ عليها اسمه يا أمي. أنا لا أريد اللعبة ولا أريد شيئًا غير أخي، أخبريه أن يأتي، وأنا لن أتعبه مرة أخرى يا أمي.
لا أحد يسمعني، ماذا يحدث هنا؟ لماذا أنا هنا؟
تعال إلى هنا…
الحمد لله، هناك من يسمعني!
من أنت؟ وماذا يحدث هنا؟ ولماذا أنا هنا؟ أكاد أجن!
اهدأ الآن، أنا لا أعرف لماذا أنت هنا، ولكن وجودك هنا له هدف عليك اكتشافه بنفسك. والآن، ساعدني في إصلاح هذا البئر.
ولكن أنا لا أعرف كيف، ولا أستطيع لمس الأشياء.
ابقَ هنا معي حتى نعرف سبب مجيئك.
ماذا تفعل؟!
أحاول إصلاح هذا البئر حتى يستطيع الناس أن يشربوا مياه نظيفة، ونجد ماء نطفئ به تلك النار.
ماذا حدث هنا؟ ومن أين كل هذه النيران؟
ستعرف كل شيء في وقته. والآن، أكملت إصلاح البئر. أيها الناس، البئر أُصلِح، أي أحد يريد المياه يأخذ ما يكفيه دون تردد، وأريد مجموعة تساعدني في إطفاء هذه النيران، وهذا البئر ملك للجميع.
ولكن هذا ملكك وتستطيع بيع المياه وتأخذ النقود لمساعدتهم في الرحيل من هذا الخراب.
هذه حياتنا، ولن نترك ما تسميه أنت خرابًا إلا عند خروج أرواحنا، حتى يذهب هذا الخراب ويصبح عمارًا. أما النقود التي تتحدث عنها، فليس لها قيمة هنا، العملة الوحيدة التي تتداول هنا هي عملة التضحية ونيل الشهادة حتى نحقق النصر.
نصر؟! نصر ماذا؟ هل هذه حرب؟!
أكيد حرب، حرب الكرامة، حرب العزة.
ولكن يا حج، كيف تستطيع أنت الوحيد رؤيتي هنا والباقي لا يستطيع؟ ومن فعل هذا بكم ولماذا؟
ستعرف أجوبة أسئلتك، ولكن ليس الآن. سأجيبك عن هذه النار: تلك النار هي بوابتنا للحرية وموعدنا مع الخلاص وتحقيق الأهداف وتحرير الأرض من المغتصب. أما إذا انتقلت هذه النار لكم، وأظن أن هذا قريب، لا قدر الله عليكم مثل هذا، ستكون نهايتكم.
نحن نحميكم من خطر أعظم من هذه النار، ولكن لا أحد منكم يعرفه أو يهتم به. هذا الخطر هو نار الخزي والعار التي ستلحقكم ما حييتم إذا ظللتم على هذا ولم تفعلوا واجبكم تجاه ثالث الحرمين وأولى القبلتين.
والآن، هل تريد شيئًا آخر؟
أكيد أريد أن أفهم! أنت تتحدث معي بالألغاز وأنا لا أفهم شيئًا منك!
وقتك انتهى معي، عليك الرحيل الآن.
انتظر، ما هذه الابتسامة؟ أظن أني رأيتها من قبل… انتظر، انتظر!
لا، تبا لهذا الصداع، لماذا يحدث كل هذا معي؟
أين أنا الآن؟ ما هذا؟ هل رجعت لنفس المكان؟ تلك الابتسامة… إنها نفس الابتسامة! وهذا الرجل، إنه هو نفسه الذي رأيته! ولكن كيف؟ وما هذا الاسم الموجود عليها؟ لم يكن هنا من قبل. من صاحب هذا الاسم (فريد سالم علي أبو موسى)؟ من هذا؟
تركت المكان مسرعًا، لا أعرف أين أذهب، ولكن علي معرفة ماذا حدث ومن هذا الشخص ولماذا ظهر لي. هل هو حي؟ وكيف كان مكتوبًا على اللوحة “الشهيد”؟ كيف رأيته؟
وصلت داخل غرفتي الآن. سأعرف حالًا من أنت يا أبو موسى. وجدت خبرًا أسفل اسمه يتحدث عن:
أبو موسى أو أبو صخر، إنه نفس الشخص الذي يحمل الابتسامة. لقد استشهد في يوم واحد من حزيران (يونيو) 2025 على يد الاحتلال نتيجة لقصف مخيمات النازحين في خان يونس. نتيجة لهذا القصف تم استشهاد عدد كبير من الأطفال والنساء، ولا ننسى صاحب البئر التقي الصوام القوام الذي استشهد صائمًا، هو صاحب الابتسامة فريد أبو موسى.
كيف في يوم واحد؟ إنه اليوم! كيف استشهد الآن؟ وكيف البستان أصبح خرابًا كما يقال الآن؟
تركت البيت وذهبت مسرعًا إلى البستان لأرى ما حدث، ولكن رأيته كما كان مكتوب: البستان المشهور بشكله الأخضر الزاهي الجميل ورائحة الزهور التي تملأ المكان. لقد تحول كل هذا إلى مقبرة تفوح منها رائحة الحريق والجثث المتفحمة و تبخر الدماء تبا لهذا، كيف حدث هذا في أقل من عشر دقائق؟ لقد كنت هنا! لم يستطع عقلي استيعاب هذا الضغط وبدأ جسدي يشعر بالتخدير.
استيقظ يا نور! كم مرة أخبرتك ألا تنام أمام شاشة اللاب، هذا سوف يؤثر على عقلك، هل أنت مجنون؟
أمي، أين أنا؟
أين ستكون؟ في بيتك.
ولكن لم أكن هنا منذ قليل!
كيف هذا؟ أنت هنا من الأمس، قم واغسل وجهك بالماء، لقد جهزت الفطور وأنتظرك. وما رأيته كان حلمًا، أطفئ هذا اللاب.
دائمًا أنت مهمل هكذا! سأغلقه أنا، وأنت افعل ما أخبرتك به. ماذا تتابع حتى يفعل بك كل هذا؟ هل كنت تشاهد الأخبار؟!
خبر ضرب مخيمات خان يونس واستشهاد عدد كبير من الأطفال والنساء، ومن أبرز من استشهد في هذه الضربة هو أبو موسى.
أمي، أعيدي ما قلتي!
ما بك تصرخ هكذا؟ ما تلك التعابير التي اعتلت وجهك فجأة؟ هل كنت تعرفه من قبل؟
أمي، ما اليوم الآن؟
إنه الأول من حزيران (يونيو) 2026.
إنه نفس اليوم! ولكن هل كان هذا حلمًا أم رؤية من الماضي أم بداية الحقيقة والتحذير من القادم كما أخبرني؟






المزيد
كتاب: رفيق للطريق
القلبُ والعقلُ معًا
مقولات يومية مع عبدالرحمن