مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

كنت أريد أن أبكى بقلم الكاتب هانى الميهى 

كنت أريد أن أبكى

الكاتب هانى الميهى 

من كتاب كل هذه القوة تجعلنى أختنق

 

الفصل الرابع

فى بعض الليالى، لا يتمنى الإنسان معجزة، ولا ينتظر أن يتغير العالم، ولا يطلب من الحياة أن تعتذر له. كل ما يتمناه أن يخف الحمل قليلًا. أن يجد منفذًا يخرج منه ما تراكم فى صدره حتى صار أثقل من أن يُحمل. لكنه يكتشف، فى اللحظة التى يظن فيها أن الدموع ستنقذه، أن عينيه أصبحتا أكثر صلابة من حزنه.

 

لم يولد أحد وهو يخجل من البكاء. الطفل لا يعتذر عن دموعه، ولا يخفى وجهه وهو يبكى، لأنه لم يتعلم بعد أن العالم يمنح احترامه لمن يبدو متماسكًا أكثر مما يمنحه لمن يعترف بتعبه. ثم تكبر السنوات، ويبدأ الإنسان فى جمع الجمل التى يسمعها دون أن ينتبه: تماسك… لا تُظهر ضعفك… كن أقوى من الظروف… ومع كل جملة، لا يزداد قوة، بل يبتعد خطوة عن نفسه.

 

الغريب أن الإنسان لا يفقد دموعه دفعة واحدة. يحدث ذلك ببطء، كما تبهت صورة قديمة تركها الزمن فى مواجهة الشمس. فى البداية يؤجل البكاء لأن هناك ما هو أهم. ثم يؤجله لأن الوقت لا يسمح. ثم يؤجله لأن من حوله يحتاجون إليه قويًا. وبعد سنوات، يكتشف أن التأجيل لم يكن للدموع وحدها، بل لنفسه كلها.

 

هناك فرق بين إنسان لا يبكى لأنه لا يتألم، وإنسان لا يبكى لأنه تألم أكثر مما يحتمل. الأول نادر، أما الثانى فنقابله كل يوم ولا نعرفه. يبتسم فى الصور، ويؤدى عمله، ويطمئن الجميع أنه بخير، بينما يقف كل مساء أمام نفسه، متعجبًا من قلبٍ امتلأ إلى هذا الحد، ولم ينسكب منه شىء.

 

ولعل المأساة ليست فى غياب الدموع، بل فى سوء فهمها. اعتدنا أن ننظر إلى البكاء على أنه لحظة ضعف، ولم نسأل يومًا: كم قوة احتاج هذا الإنسان حتى يؤجل دموعه كل هذه السنوات؟ وكم خوفًا حمله حتى أقنع نفسه أن الانهيار رفاهية لا يملكها؟

 

منذ تلك اللحظة، تبدأ القوة فى تغيير معناها. لم تعد قدرة على المواجهة، بل أصبحت قيدًا يخشى صاحبه أن يفلت منه. كلما ضاقت به الحياة، ازداد تمسكًا بالصورة التى صنعها الآخرون له. صورة الإنسان الذى لا يهتز، ولا يشتكى، ولا يطلب، حتى إذا احتاج إلى البكاء، وجد أن الطريق إلى الدموع قد أغلقه بيديه.

 

وربما لهذا لا يكون الاختناق دائمًا فى الصدر. أحيانًا يبدأ حين يحاول الإنسان أن يخرج ما بداخله، فلا يجد لغة تكفيه، ولا دمعة تسعفه، ولا يدًا يثق أنها ستفهمه دون أن تفسره خطأ. عندها يدرك أن أثقل ما فى القوة ليس حملها، بل أنها مع الوقت تمنع صاحبها من أن يكون إنسانًا عاديًا، له الحق فى أن يضع رأسه على كتف، وأن يقول: لقد تعبت.

 

لم يكن يريد أن يبكى لأن الحياة انتصرت عليه. كان يريد أن يبكى حتى يتأكد أن قلبه لم يتحول، وهو يقاوم، إلى حجر.

 

 


 

رسالة الفصل

 

أحيانًا لا يكون البكاء دليلًا على أن الإنسان ضعيف، بل دليلًا على أنه لم يفقد إنسانيته رغم كل ما اضطر إلى احتماله.

 

تمهيد الفصل القادم

 

بعد أن عجزت الدموع عن الخروج، لم يبقَ سوى الكلمات… لكنها هى الأخرى وجدت بابًا مغلقًا.

 

الفصل الخامس: العالم كله محتجز فى حنجرتى.