مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

شَوقُ اللِّقَاءِ ولهفَةُ الحَنِينِ لِوطنٍ بقلم الكاتب محمَّد طاهر سَيَّار الخميسِي.

شَوقُ اللِّقَاءِ ولهفَةُ الحَنِينِ لِوطنٍ

 

الكاتب اليمني: محمَّد طاهر سَيَّار الخميسِي

 

لقَد كابَدتُ في غِيَابِكِ، ليالٍ ليلاءَ، قاسَيتُ أشَدَّ الآلامِ في كُلِّ ليلةٍ من ليَالِي الشِّتَاءِ بِدُونِكِ، أحِنُّ إِليكِ الآنَ_ وإِلى ذلِكَ الدِّفءِ الَّذِي يُغَطِّينِي من لسعَاتِ البَردِ ورِعشةِ العَنَاءِ، ها أنَا الآنَ_ ألتَحِفُ بِمِعطَفِي وألبَسُ بُردتِي وأوِي إِلى بعضِ زوايا مخدَعِي، وأظلُّ أجهَشُ بالبُكاءِ لفِرَاقٍ حال بَينِي وبينكِ دُونَ ودَاعٍ مرَّةً، وأُخرَى لِشقائِي وشقائكِ.

 

أذُودُ النَّومَ عن عينَيَّ ذِيَادًا، لِأَنَّنِي لستُ راضِيًا عن غِيَابِكِ، ولم أنم هانِئًا في مضجعِي. إن نِمتُ سَاعةً أشعُرُ بِأنَّ تلكَ السَّاعة التي نِمتُ فِيهَا، أنتِ لا تجِدِين فِيهَا إلى الرَّاحةِ سَبِيلًا، لِفَرطِ ما تأتِينِي تِلكَ الإِشعاراتِ من العقلِ اللَّاواعِي.

 

أشعُرُ بِحُزنٍ وكأبَةٍ، ويَخفِقُ قلبِي خفقاتٍ مُتتالِيَةً ومُؤلِمَةً، أحُسُّ وكأَنَّهُ يُرِيدُ أن يكمُش ويتوَقَّف لشِدَّةِ ما أجِدُ من ضغطٍ نفسِيٍ. يمضِي اللَّيلُ إلَّا أقلَّة، أشعُرُ بالنُّعَاسِ الذِي يَطُغى على جفنيَّ وقد غلبَنِي، فأنامُ نومًا مشرُودًا، مذعُورًا، كالمجنُونِ على الأرصِفةِ، وأستيقِظُ مع الصَّبَاحِ، فإِذَا الرياح فِي سُكُونِها والشَّمسُ في سُطُوعها والجوُ في ابتِسامتهِ، فأحمَدُ اللَّهَ على ذلِكَ.

 

لكِنَّ الألمَ يزدَادُ عِندما أتذكَّرُ وطَنًا تمزّقَ، ومُدُنًا دُمِّرَت، وأحلامًا سَقطَت. كيفَ اللِّقَاءُ في وطَنٍ لم يعُد كمَا كان؟ كيفَ أجِدُ الأمانَ في بَلدٍ لم يَعُد آمِنًا؟ الطَّرِيقُ مسدُودَةٌ أمَامِي، والأوضاعُ صَعبَةٌ، لكِنَّنِي لا أفقِدُ الأَمَل في لِقَائِكِ.

 

أعُدُ الحَظاتِ والسَّاعَاتِ أنتَظِرُ فِيهَا عودَتكِ ورُؤيَتَكِ وأنتِ باسِمَةٌ كَالفَجرِ ومُشرِقَةٌ كالشَّمْسِ. ويبدَأُ صَبَاحِي الجدِيدُ بِكِ.

 

عُودِي إِليَّ في المَسَاءِ، كُلُّ ما يُمكِنُنِي أن أُسعِدَكِ بِهِ مِن الأَخبَارِ _ بِأنَّ موسِم الرَّبِيعِ بَدَأَت أَشْجَارُهُ تتبسَّمُ عن أزهارِها. عُودِي إِليَّ كذلِكَ النَّسِيمُ العَلِيلُ الَّذِي يجمَعُ إِليَّ ذِكرَاكِ الآنَ_ في هذهِ السَّاعَةِ التي أكتُبُ فِيهَا من شَذى أفكارِي وخواطِرِي إليكِ. لِأَنَّكِ أوَّلُ زهرَةٍ مِن زهرَاتِ البَنَفسَجِ الَّتِي، أسقيتُهَا من عطرِ أعوَاد قلبي، وزنبَقَة لم أشتق لأحَدٍ فارَقنِي كشوقِي إليكِ.

 

أبحَثُ عَنكِ هائِمًا على وجهِ فِي الطُّرُقَاتِ، أقتَفِي أثرَكِ وأشُمُ بقايَا ذِكرَاكِ، وأُوَاسِي قَلبي بِشيءٍ مِن الشِّعرِ والغزلِ الذِي ترَكتُهُ مكتُوبًا في أورَاقِ دفترِي، أو أُصغِي لِكلامِكِ الأُنثَوِيِّ وأُرتجِلُهُ مُبَاشَرَةً على مَسمَعِي. وأتغنَّى بِهِ غِناءً شَجِيًّا وَأَهِيمُ بِهِ مَعَ المُوسِيقَى وَالطَّرَبِ. ولكِن تَقتُلُنِي رِهافةُ قَلبي وإِحسَاسِي بالرِّهَافةِ والشُّعُورِ بِالحُبِّ والعَاطِفةِ، فأَنتَقِلُ إلى مَشاعِرَ أُخرَى إِلى الحَمَاسَةِ وأناشِيدِ الأبطَالِ وأغَانِي الْجُنُودِ، وَأَقْرَأُ فِي الصِّحَافَةِ الأخبَار السِّياسِيَّة وفِي المجلَّاتِ الأدَبِيَّةِ وأتغنَّى بالأغَانِي الوطَنِيَّةِ، وأقرَأُ الفذلكات التَّارِيخِيَّة التي يبدأُ مِنهَا يمَنُنا، السَّعِيدُ من أوَّلِ بُلُوغِهِ ذُروَة المَجدِ إلى يَومِنَا الحَاضِرِ.

 

وأكتُبُ رِسَالةً ومُوَاسَاةً إلى البَائِسِين والمحزُونِين، وأنزِفُ كثِيرًا من الدُّمُوعِ معَهُم، كمَا تنزِفُ الشُّهَدَاءُ دمَاءَهُم فِي الحَربِ. وأكتُبُ عنهمُ المرَاثِي، وأكفِفُ مِن دُموعِ الغلباء بالِابتِسامَاتِ التِي أُخفِي بِها وجعِي، أظلُّ عَلى الأمَلِ والحُبِّ دائِمًا في سَبِيل وطَنٍ حتَّى وإن كَلفني بِنَكٍ مِن الدِّمَاءِ وسَيلٍ من الدُّمُوعِ لكي نجتَمِعَ في وطَنٍ واحِدٍ لا نتغرَّبُ ولا نفتَرِقُ فِيهِ ولا نَرَى فِيهِ أَيَّ بُؤسٍ أو شقَاءٍ.

 

غدًا، غدًا سَيَكُونُ اللِّقَاءُ. غَدًا سَنَجْتَمِعُ فِي سَمَاءٍ مُمطِرَةٍ وصَافِيَةٍ، وَجَوٍّ رَائِقٍ، وقُرصِ الشَّمسِ مُلتَهِبًا بالِاحتِرَاقِ النَّصرِ، والأَرضُ تهتَزُّ وتربُو وتنبُتُ ذلِكَ الحُبَّ، ويكتَسِي وجهُكِ حُسنًا، والأشجَارُ تنفُضُ عن أوراقِهَا اللاَّمِعَةِ الخَضرَاءِ، والهوَاءُ الفَاتِرُ يتحَرَّكُ إِلَى الأجسَامِ ويترُكُ فِيهَا أثَرًا هادِئًا لطِيفًا. وإنَّ هذا الفَضَاءَ الضَّيِّقَ بِنا سَيَنفَرِجُ عَلى سَعَتِهِ، مَا بين أطرَافِ عَينَايَ وعَينَاكِ، ونَرَى هَذا العَالمَ قدِ استوَى في منظرَهِ السِّحرِيِّ، ويعُودُ كُلُّ حبِيبٍ لحَبِيبِهِ، وكُلُّ مُفارِقٍ إِلَى وَطَنِهِ.