مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سُلحفاء وضفدعة

كتب: محمد عبد اللوي 

آيُ الجمال، وفسحة الكمال، وبهجة الظلال بين حلو الخيال؛ هكذا أنا أختصرها دون إطالة أو إمالة جمال الرفقة، جمال الجلسة، وجمال اللحظة، جمال ذاب وسط جمال، فأمسى حسنًا دون إحتمال تحس بنبضك قريبًا، وأنيسك لصيقًا عبق وشعاع يخترق هواء اللقاء، وينسج على منواله حكايات من ربيع وشتاء

آه كمْ اشتقت إلى هذه الرائحة التي تجلب راحتي، وتكمل طمأنينتي، وتسكن روعيتي؟ 

دائمًا وأبدًا سأقولها: أنت أمني، وأماني، وأمنيتي.

أنت سكني، وسكينتي، وسكاني

‏لم يكن لديها جانب أسود؛ حتى عينيها كانت عسلية، حلوة لذيذة، وشهية.

هكذا كتبها سلحفاء في يومياته بحرقة وحرارة، يشكو للورقة ألمه وحزنه، يواسي نفسه بالكتابة؛ حتى يتضمخ الحرف بدم معانيه، وويتشرب الحال بؤس قوافيه.

كان يشكو لقدره، قلة حيلته، وسوء حظه، ومدى الأسى الذي يكابده في قلبه، رغم أن كتاباته الرقيقة لا توحي بذلك، بما فيها من سحر، وعشق، وغرام.

كان السؤال الذي يتبادر في ذهنه، لماذا فعلت ضفدعة ذلك، لماذا حرمتنا من هذه الفرحة؟ وجعلتنا نعيش كالغرباء، نسرق من الوقت أنفسنا؛ بينما كنا نسرق أنفسنا من الوقت، لماذا تركت كل هذه السنين تضيع هباء منثورًا؟ وسحقت أحلامًا كبرى، وذكريات خالدات، وتركتني كالمعلق بها، لا هي تذهب؛ فأستريح ولا هي تعود، فيعرف الخطأ من الصحيح دوامة أسئلة تتقاذفه بين جنبات الحياة، وتضع في قلبه ألف سهم يحرق أحشاءه، ويدمي فؤاده.

كان سلحفاء يحب ضفدعة حبًا لن ولم يحبه لأحد من قبل، كان حبًا مقدسًا بالنسبة له، رغم اختلاف مجتمعهما وكذا أصولهما إلا أنه أحبها بكل كيانه، ودافع عنها بكل جوارحه، ولم يدع أحد يشككه في حبها لها، بل وترك بني جنسه ونأى بجانبه عنهم؛ لكي يكون معها وحدها، حارب أهله وأصحابه وقبيلته، حارب نفسه ومعتقداته، صارع العرف السائد، وشر الخبث والمكائد. كان همه الشاغل أن يجتمع بها تحت سقف واحد، أن يجمعهما ظل أوحد.

لم يتراجع عن التضحية بكل شيء؛ حتى كرامته ومبادئه، تجاوز كل الأعراف والتقاليد، كل الكلام الباهت المشوه بالشائعات، المملوء بالخرافات والتخريفات

رمى كل هذا وراءه دون أن ينظر فيه فقط؛ لكي يكون بجانبها، ويتشارك معها كل شيء، كل التفاصيل البسيطة، والاسرار الصغيرة، كل ابتسامة، كل ضحكة، جميع الفصول بكل ما فيها من أسى وطول.

في أحد الأيام كتب في يومياته ودموعه تسيل تترى، شعوري الآن مثل الشاعر محمود درويش عندما خانته ريتا- حيث تبين أنها عميلة إسرائيلية- التي أحبها من قلبه، وحارب عليها الجميع، وكتب: “شعرت بأن وطني قد احتل مرتين”.

وكذا في قصيدته “سيء الحظ” قال: “أنا العاشق السيء الحظ، لا أستطيع الذهاب إليك، ولا أستطيع الرجوع إلي”.

يضيع الإنسان مرتين في حياته، الأولى عندما يفقد أمه، والثانية عندما يفقد حب حياته، فكلاهما لا يعوضان أبدًا اذا ذهبا هكذا كان مبدأ سلحفاء، هكذا مبدأ راسخ لا يتزعزع؛ حتى أتت هي وحطمت كل كيانه، وجعلته يتجرع بدل الألم ثلاثًا، وبدل الفراق ثلاثًا وبقيت هي تعود، وبقي هو يسامحها على رغم صغر مكانها في قلبه بعد كل فراق لم يستطع أن يكرهها أو يلومها، واستمر فقط بلوم نفسه، وعدم مسامحتها رغم أمنيته، بأن تعرف أن السلاحف على كثرتهم، إلا أنه خالف كل طريقهم، وأحبها دون غيرها من السلاحف والضفادع، وأخلص لها وحدها دون أي شخص آخر؛ لأنه يؤمن أن من يحب يصدق يصون بصدق.

وختم في آخر صفحة من دفتر يومياته عنها:

لأنكِ تكتمين الكلام، سيتراكم حبره دائمًا تحت عيناك.