مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سيمفونية الغبار المنسي

Img 20241004 Wa0055

 

 

كتبته: الإعلامية سبأ الجاسم الحوري.

 

 

تحت طبقات الغبار التي تكسو كل ما حولنا، هناك حياة أخرى، لا يراها أحد. الغبار الذي يراه الجميع عدوًا صامتًا، هو في الحقيقة حارس الزمان، شاهدًا على مرور الأيام والأسابيع والأعوام. كل ذرة من هذا الغبار تحمل قصة، حكاية مغفلة نُسيت بين طيات النسيان.

 

في كل ركن مهجور، حيث لا تطأ الأقدام إلا قليلًا، يتراكم الغبار كأنه غطاء ناعم يلف ما تبقى من ذكريات. تلك الذرات التي تبدو هشة ولا قيمة لها، تحمل بين طياتها تفاصيل ما كان، وما لم يكن. كل ذرة منها تشبه مفتاحًا لقصة غير مكتملة، قصة لم تجد من يكملها، لتصبح معلقة إلى الأبد.

 

الغبار لا يقتصر على الجدران والأثاث، بل يتراكم في أرواحنا أيضًا. نتجاهل تلك الأجزاء منّا التي ملأها الغبار، تلك الأحلام الصغيرة التي تركناها تتلاشى، واللحظات التي لم نكن شجعانًا بما يكفي لاغتنامها. نمضي في حياتنا، نبحث عن الأضواء الكبيرة، بينما نترك الأجزاء الغالية في زوايا قلوبنا، تغرق في غبار التجاهل.

 

الغبار الذي يغمر كل شيء ليس عدوًا، بل هو مرآة تعكس الزمن الراحل، وتذكير بأن كل لحظة مضت قد تركت أثرًا، وإن كان دقيقًا. الغبار يعرف كل شيء، يعرف ما نحن عليه الآن، وما كنا عليه يومًا. إنه يعلم الأسرار المخفية، ويحتفظ بكل ما لم نقل وما لم نفعل.

 

حين تنظر إلى ذلك الأثاث المهمل، أو الزاوية المنسية في بيتك، تذكّر أن الغبار الذي يغمرها ليس مجرد ذرات عابرة، بل هو سيمفونية صامتة، عزفتها اللحظات التي مرت دون أن ندرك قيمتها. الغبار يعلمنا درسًا لا يُنسى: أن ما يتركه الزمن خلفه ليس بلا قيمة، بل هو جزء منّا، نحن الذين نترك آثارًا في أماكن لا نعود إليها أبدًا.

 

في النهاية، نحن والغبار واحد. نحن أيضًا نترك خلفنا شيئًا من أنفسنا في كل مكان نمر به، نترك أثرًا دقيقًا في هذا الكون الهائل، وربما يومًا ما، بعد رحيلنا، سيكون ذلك الأثر هو ما يُروى، حتى وإن كان مجرد غبار.