سند رحل وقلبي يتيم
بشرى إياد
“فقدت من كان لي الحياة، لم يكن زوجي فحسب، بل كان أبي وسندي وعوني في هذه الدنيا. هو الذي منحني الحب والأمان، وكان الملاذ الذي أهرب إليه حين تشتد عليّ الدنيا. أبي الحقيقي لم يعترف بي، لم يعرني الاهتمام ولا الحب، وكنت يتيمة حتى جاء هو وملأ حياتي بالحنان الذي افتقدته منذ طفولتي. كان كل شيء لي، وكنت أنتظره بشوقٍ ودموعٍ، وحين اجتمعنا أخيرًا، ظننت أنني سأعيش أخيرًا بأمان، لكن القدر لم يمهلني طويلاً، فقد رحل وترك قلبي مكسورًا.
سنواتٌ انتظرت فيها هذا اللقاء، وتمنيت أن نعيش معًا عمرًا طويلًا، حلمت معه بأيامٍ تجمعنا ونكبر فيها معًا. كنت أراه أبي الذي يعوضني عن حرماني، وأمني الذي يحميني من قسوة الحياة. كم كان حنونه يضم روحي ويغمرني بحبه، كان دائمًا بجانبي، يسمعني دون أن أتكلم، يفهمني دون أن أشرح. وكنت أصدق أنني أخيرًا وجدت العائلة التي أفتقدها.
لكن رحل وترك لي وحدةً لم أتوقعها، وفراغًا لا يسده شيء. أشعر بأنني عدت يتيمةً من جديد، كأنني طفلة صغيرة ضائعة في هذا العالم الواسع، تبحث عن حضنه ولا تجده، تتمنى أن يعود للحظةٍ واحدة، ليضمها ويقول لها أن كل شيء سيكون على ما يرام. كل زاوية في هذا البيت تذكرني به، كل شيء يصرخ بغيابه، وأنا أعيش في ذكريات لا ترحم، تُعذبني وتزيدني ألمًا.
أقف كل يوم أمام صورته، أستعيد حكاياتنا وضحكاتنا، وأحاول أن أستحضر صوته الذي كان يهدئني، لكن لا شيء يعوضني عنه، لا كلمات تواسي، ولا دموع تخفف. مرارة اليتم والوحدة تحاصرني، فلا طعم لأي شيء بعده، كأن الحياة توقفت عند رحيله، وكأنني لست سوى جسد بلا روح، أعيش في انتظار اللقاء الذي لن يأتي.
كان نور حياتي الذي أضاء لي الظلام، كان السند الذي أعطاني القوة لأواجه العالم، وكان القلب الذي أشعرني أنني محبوبة ومعترف بها. لكن الآن، أعيش بين الذكريات التي تحرقني، وفي غيابك، أصبحت الحياة رحلة من الحزن لا تنتهي. رحلت وتركتني يتيمةً في عالمٍ بارد، وقلبي يناديك في كل لحظة، يتمنى لو تعود، ولو للحظة واحدة.”
“لم أشعر بيتمِ قلبي إلا بعد رحيله. كنت أعيش حياتي كيتيمة منذ ولادتي، محرومة من دفء الأبوة وعطفها، لكن وجوده كان يعوضني عن هذا الحرمان. لم أكن أشعر بالنقص، لم أكن أشعر بفراغٍ أو ألم، فقد كان لي الأب الذي افتقدته، كان السند الذي يمسك بيدي في أصعب اللحظات. كان لي أبًا لم تلده الأيام، كان يغمرني بالحب والاهتمام الذي لم أعهده من قبل.
وعندما اجتمعنا بعد سنواتٍ من الانتظار والحنين، شعرت أخيرًا بأنني لست يتيمة، بأن لدي من يحتوي قلبي ويربت على وجعي. كان ينظر إليّ وكأنني عائلته الوحيدة، وكأنني محور عالمه، وكان يعاملني بحنان الأب الذي لم أعرفه، يعطيني الأمان الذي لطالما اشتقت إليه. كنت أرى فيه كل ما افتقدته، وكان وجوده يملأني شعورًا بالانتماء، كأنني أخيرًا لست وحدي.
لكن رحيله أعادني إلى اليتم الذي كنت أحاول الهروب منه طوال حياتي، لم يكن يتيمًا جسدي فقط، بل بات يتيمًا قلبي وروحي. غاب من كان يحملني حين أثقلني العالم، من كان يُربت على كتفي ويهمس لي أنني لست وحدي. لقد أخذ معه دفء الحياة وأمانها، وترك لي فراغًا يملأني حتى العظم، كأنني عدت طفلةً ضائعة تبحث عن حضنٍ يأويها فلا تجد سوى الظلام.
أشعر وكأنني تحطمت، كأن عالمي انهار فجأة ولم يعد هناك من يحميني، ولم يعد هناك من يمسح دموعي أو يخفف عني ثقل الأيام. كانت حياتي قبله قاسية، لكن معك كنتُ أشعر بالأمان، أما الآن، فقد عادت لي مرارة اليتم بكل ما فيها من وجع وألم.
رحيلك لم يترك فراغًا عاديًا، بل نزع من حياتي كل ما فيها من طمأنينة وأمل. أصبحت أعيش بين ذكرياتك، وكل زاوية في هذا البيت تذكرني بك، تذكرني بأنني يتيمة بالفعل، يتيمة لم تعرف معنى اليتم إلا بعد أن فقدت من كان يعوضها عنه.”






المزيد
اليس غريبا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
صناعة الكتاب إلى أين بقلم سها مراد
قلوب بقلم ايمان الفقي