مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سلامًا على من ظنوا بقلم هانى الميهى

سلامًا على من ظنوا بقلم هانى الميهى

 

الوجه الذي ابتسم وهو يخفى

من العجيب أن الوجوه تحمل في خطوطها أكثر مما تُفصح به الشفاه. قد تظن أن الابتسامة رسالة ودّ، وأن انحناءة الرأس دليل تقدير، لكن ما أشدّ قسوة ما يُخفى خلف هذا القناع الناعم! فالابتسامة ليست دائمًا صافية، أحيانًا تكون غطاءً بارعًا لنيّة طاعنة، وخلف ضحكة عابرة قد يستتر خنجر مسموم، يلمع في الخفاء بينما صاحبه يوهمك بالأمان.

لقد عرفتُ يومًا أن الإنسان لا يُقاس بما يُبديه في لحظة اللقاء، بل بما يُخفيه في صمت الليل، حين يكون وحده أمام نفسه. فالوجه المشرق قد يكون مرآةً زائفة، ترسم على سطحها ما يُسَرُّ الناظر، لكنها لا تكشف عن غور القلب، حيث تتكدّس الرغبات الملتوية والخواطر المظلمة.

في حياتي، مررتُ بكثيرين أتقنوا هذا الفنّ العجيب: فنّ الابتسام وهم يخفون خناجرهم. جلستُ معهم على موائد الكلام، وشربتُ معهم قهوة الأيام، وتبادلتُ معهم وعودًا صادقة من طرفي وحدي، بينما كانوا يُخبئون في صدورهم حسابات أخرى، ينتظرون اللحظة التي يسقط فيها عني حذرٌ، ليغرسوا نصالهم في ظهري.

وما أقسى أن تكتشف الخديعة متأخرًا، حين يكون الجرح قد غاص عميقًا! لا لشيء إلا لأنك صدّقت أن الوجه لا يكذب، وأن الضحكة دليل صفاء. غير أنّ الأيام تعلّمك أن تَقرأ ما وراء الابتسامات، أن تُنصت لصمت العيون أكثر مما تُنصت لزخرف الكلام. فالعيون مهما تدرّبت على الإخفاء، تفضح لحظةً عابرة من ارتباك أو قسوة، تكشف أنّ القلب ليس كما يدّعي صاحبه.

إنّ أخطر ما في الخيانة أنها لا تأتيك من غريب، بل من قريب ابتسم إليك وأقنعك أنه سندك. ولعلّ الطعنة من ظهره أشدّ إيلامًا من طعنات الغرباء، لأنك كنت تظنه حصنك، فإذا به يتحوّل إلى خندق يختبئ فيه عدوّك.

لقد صرتُ أرى أن الحياة ليست ساحة للثقة المطلقة، بل امتحان للعين والقلب: أيهما يقرأ الآخر قبل أن يُسفك الدم؟