سعد بزوغ الفجر من عتمة الفقد
بلال حسان الحمداني
بَعْدَ أَنْ اغْتَصَبَتْ يَدُ الْغَدْرِ أَخِي سَعْدًا، حَمَلَتْ أُمِّي وَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّهَا تَحْمِلُ سَعْدًا آخَرَ؛ فَفِي صَبَاحِ الثَّالِثِ مِنْ آذَار عَامِ 2014، تَنَفَّسَ الصُّبْحُ عَنْ وِلَادَةِ أَخِي سَعْد. كَانَ الصَّبَاحُ يَتَفَتَّقُ عَنْ رَائِحَةِ السَّعَادَةِ، رُبَّمَا كَانَ الْعِوَضَ بَعْدَ أَنْ مَرَّتْ سَنَةٌ كَالِحَةٌ وَنَيِّفُ شُهُورٍ عَلَى اسْتِشْهَادِ أَخِي.
نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَإِذْ بِوَجْهِهِ كَفِلْقَةِ قَمَرٍ، مُسْتَدِيرَ الْوَجْهِ، وَاسِعَ الْعَيْنَيْنِ، وَكَانَ أَوَّلَ طِفْلٍ أَرَاهُ فَوْرَ وِلَادَتِهِ فَاتِحًا عَيْنَيْهِ، وَكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ مَنْ حَوْلَهُ. فَرِحْتُ بِهِ أَيَّمَا فَرَحٍ، غَيْرَ أَنَّ غُصَّةً فِي الْقَلْبِ ظَلَّتْ تَأْكُلُ حَشَايَ وَأَنَا أَسْتَدْعِي ذِكْرَى سَعْد (الشَّهِيدِ)، وَأَسْتَدْعِي أَبْيَاتَ ابْنِ الرُّومِيِّ فِي رِثَاءِ ابْنِهِ:
وإنِّي وإن مُتِّعْتُ بابْنيَّ بَعْده
لَذاكرُه ما حنَّتِ النِّيبُ في نَجْدِ
وأولادُنا مثْلُ الجَوارح أيُّها
فقدْناه كان الفاجِعَ البَيِّنَ الفقدِ
لكلٍّ مكانٌ لا يَسُدُّ اخْتلالَهُ
مكانُ أخيه في جَزُوعٍ ولا جَلدِ
غَيْرَ أَنِّي قَرَّرْتُ أَنْ أَعِيشَ اللَّحْظَةَ بِجَمَالِهَا، وَأَقْنَعَ نَفْسِي أَنَّ الْحَيَّ أَبْقَى مِنَ الْمَيِّتِ كَمَا يُقَالُ. لَمْ أَتَدَخَّلْ حِينَهَا فِي اسْمِهِ، غَيْرَ أَنَّ وَالِدَتِي أَبَتْ إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ اسْمَ أَخِيهِ سَعْد، وَرَغْمَ أَنِّي اسْتَثْقَلْتُ الْأَمْرَ وَكَانَ يَنْعَقِدُ لِسَانِي أَنْ أُنَادِيَهُ بِسَعْدٍ -وَإِلَى الْآنَ بَعْدَ انْقِضَاءِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ سَنَةً عَلَى وِلَادَتِهِ أَجِدُنِي لَا أَقْوَى أَنْ أُنَادِيَهُ بِاسْمِهِ- لَكِنْ حَسْبِي أَنِّي كُنْتُ أَرَى فَرَحَ الْوَالِدَةِ بِهِ وَجَبْرَ قَلْبِهَا الثَّكِلِ بَعْدَ أَنْ ثَكِلَتْ سَعْدًا.
اعْتَنَتْ بِهِ أَيَّمَا اعْتِنَاءٍ، وَكَانَتْ تُدَلِّلُهُ كَأَنَّهُ وَلَدُهَا الْوَحِيدُ، تُغَنِّي لَهُ وَتُنْشِدُ الْأَهَازِيجَ، وَأَرَانِي حَتَّى إِنْ أَخْطَأَ رُبَّمَا لَا أَقْوَى عَلَى كَسْرِهِ لِحُبِّ أُمِّي لَهُ وَحَسَاسِيَّتِهَا تِجَاهَهُ، وَتُعَانِقُنِي السَّعَادَةُ أَنْ أَرَى فَرَحَهَا بِهِ.
يَرْحَمُ اللَّهُ سَعْدًا أَخِي، وَيَحْفَظُ أَخِي الْآخَرَ سَعْدًا؛ جَعَلَهُ اللَّهُ بَارًّا بِأَبَوَيْهِ، جَابِرًا لِقَلْبَيْهِمَا، حَانِيًا عَلَيْهِمَا. أَتَمَنَّى لَهُ عُمْرًا طَوِيلًا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَحَيَاةً سَعِيدَةً مَلْآةً بِالْحُبِّ وَالْحُنُوِّ، وَأَلَّا تُذِيقَهُ الْحَيَاةُ مُرَّهَا وَقَسْوَتَهَا، وَأَنْ يَحْيَا بِرَغَدِ الْعَيْشِ وَحَلَاوَتِهِ.
هَا أَنَا الْآنَ أَقِفُ عَلَى عَتَبَةِ سَنَوَاتٍ طِوَالٍ مَضَتْ دُونَ أَنْ أَرَاهُ يَكْبُرُ هُوَ وَإِخْوَتِي، وَرُبَّمَا أَتَحَسَّرُ عَلَى سُنُونَ الْغُرْبَةِ الَّتِي مَنَعَتْنَا مِنْ أَنْ نُشَاهِدَ إِخْوَتَنَا الصِّغَارَ وَهُمْ يَشِبُّونَ وَيَكْبُرُونَ وَيَتَغَيَّرُونَ، لَكِنَّ أَمَلِي بِلِقَاءٍ يَشْفِي قَلْبًا مُعَذَّبًا، وَعِنَاقٍ يُطْفِئُ لَهِيبَ الشَّوْقِ وَالْحَنِينِ؛ فَلِلَّهِ هَذَا الشَّوْقُ.. شَوْقُ أَرْضٍ قَاحِلَةٍ لِمَطَرِ السَّمَاءِ.
أخوك: بلال أبو سعد
(الحزين إلى أن تقرَّ عينه برؤياك ورؤية الأهل والأحباب)
تركيا – قونيا | 3 آذار 2026






المزيد
وقبل نهاية الرحلة بقلم سها مراد
حين تتحدث الأخلاق عن أصحابهابقلم علياء العشري
الرحيل المحتوم بقلم إسراء حسن عبدالله