مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

سرقة النجاح: المرض العربي الصامت

سرقة النجاح: المرض العربي الصامت

 

بقلم: المهيري بنعيسى

 

دعني أسألك سؤالاً من القلب. لماذا عندما ينجح واحد منا، يشعر من حوله بالألم بدل الفرح؟ لماذا عندما ينجح جارك أو قريبك أو زميلك في العمل، تجد نفسك تضيق صدرك بدل أن تفرح له؟ ولماذا نخفي نجاحاتنا كأننا نرتكب ذنباً، ونخفي أهدافنا خوفاً من أن تُحبط، ونخفي فرحتنا خوفاً من أن تُصاب بعين حاسد؟ هذه الأسئلة ليست فضولاً. هي مفتاح لفهم مرض خطير يعيش فينا جميعاً، من المغرب إلى سوريا إلى مصر إلى الخليج، مرض اسمه الحسد، لكنه ليس حسداً عابراً. إنه ثقافة متكاملة تسمى في علم النفس “ثقافة قطع الزهرة الطويلة”. يعني كل من يطول رأسه عن الآخرين، نقطعه. ليس لأنه أخطأ. فقط لأنه أزعجنا بنجاحه.

الحسد الذي أتحدث عنه ليس غيرة عابرة تمر ثم تموت. هو شعور عميق يتمنى زوال نعمة الآخر، حتى لو لم تأتِ إلينا نحن. هو أن تتمنى أن يسقط القمر لمجرد أنك لا تملك نجماً. علماء النفس فرقوا بين شيئين: الغبطة أن تتمنى مثل فلان دون أن تزول نعمته، والحسد أن تتمنى زوال نعمته ولو ذهبت في البحر. وفي ديننا، الحسد أول ذنب عُصي به الله في السماء حين حسد إبليس آدم، وأول ذنب عُصي به الله في الأرض حين حسد قابيل أخاه هابيل فقتله. من ذلك اليوم والحسد يقتل الناجحين في مجتمعاتنا.

فكر معي قليلاً. متى كانت آخر مرة فرحت فيها فرحاً حقيقياً بنجاح صديقك؟ ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالألم لأن زميلك حصل على ترقية وأنت لا؟ هذه المشاعر طبيعية، لكنها عندما تتحول إلى أفعال وإلى ثقافة جماعية، تصبح كارثة. لأن الناجحين والمبدعين والمتميزين هم مستقبل أي أمة، فإذا قتلناهم نفسياً واجتماعياً، فإننا ببساطة نقتل مستقبلنا بأيدينا.

في علم النفس، الحسد له وجهان. وجه جميل اسمه الحسد الحميد، وهو الذي يدفعك أن تقول: “واو، فلان نجح. أنا أيضاً أستطيع أن أنجح. سأعمل مثله وأتعلم منه”. وهذا النوع نادر عندنا للأسف. والوجه القبيح اسمه الحسد الخبيث، وهو الذي يدفعك أن تقول: “فلان نجح؟ كيف سمح له؟ لابد أنه غش. لابد أن عنده واسطة. لابد أنه سرق النجاح”. ثم تبدأ في نشر الشائعات، وتقطيع العلاقات، وتمني زوال نعمته. وهذا النوع هو الغالب في ثقافتنا العربية. ولماذا؟ الأسباب كثيرة، لكن أهمها ثلاثة.

السبب الأول: قلة الموارد. في مجتمعات تعاني من بطالة تصل في بعض الدول العربية إلى أكثر من 25%، وفساد ينهش الاقتصاد، وفقر يضيق الخناق، يصبح نجاح الآخرين تهديداً وجودياً. كأن الرزق رغيف واحد، إذا أخذته أنت فلن يبقى لي شيء. هذه النظرة خاطئة بالطبع، لأن الرزق بيد الله وليس بيد الناس، لكنها تسيطر على العقول في زمن الأزمات.

السبب الثاني: ثقافة العين. نحن مجتمعات جمعية، نراقب بعضنا كثيراً، ونهم بآراء الناس أكثر من همنا بأنفسنا. كبرنا على مقولة “العين حق” فتحولت من تحذير شرعي لنا لنحمي أنفسنا، إلى أداة نستخدمها لترهيب الناجحين وتثبيطهم. صرنا نقول لمن ينجح: “اخفض جناحك، اكتم فرحتك، لا تظهر نعمتك، الناس عين”. وكأن النجاح خطيئة تحتاج إلى اخفاء. وهذه هي الكارثة.

السبب الثالث: تدني احترام الذات الجماعي. شعوبنا منهكة نفسياً من حروب وفقر وقمع واستبداد. وعندما يشعر الإنسان بالعجز عن تحسين وضعه، فإنه يحاول تحسين وضعه النسبي بطريقة سهلة: يقلل من قيمة الآخرين. بدل أن يصعد إلى الجبل، يحاول أن يهدم من فوقه ليساوي نفسه به. هذه الآلية اسمها “المقارنة التنازلية”، وهي أم الحسد الخبيث.

هل تعرف ماذا قال العالم المصري الكبير أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل، عنا؟ قال: “الغربيون يدعمون الفاشل حتى ينجح، أما نحن فنحارب الناجح حتى يفشل”. تأمل هذه العبارة. هي خلاصة مأساتنا. الغربي يرى الناجح استثماراً لمجتمعه، ونحن نرى الناجح تهديداً لمكانتنا. لذلك أوروبا تتقدم ونحن نتخبط.

القرآن الكريم حذرنا من هذا المرض بدقة متناهية. قال الله تعالى عن أهل الكتاب: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾. لاحظ كلمة “من عند أنفسهم”. الحسد ليس بسبب ما فعله الناجح بك. هو من عند نفسك أنت. من ضعفك أنت. من نقصك أنت. وقال أيضاً: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. الناس يحسدون بعضهم على فضل الله، أي على النعمة وليس على الشخص نفسه. وهذا دقيق نفسياً: الحاسد في الحقيقة يعترض على قسمة الله، وليس على قدرات الناجح. والنبي ﷺ قال: “دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين”. حسدك يمحو دينك كما يحلق الموسى الشعر. خطير جداً.

لن أطيل عليك بالأرقام، لكن دعني أخبرك أن دراسات عالمية وجدت أن 77% من الموظفين في العالم لاحظوا حالات حسد في أعمالهم، وأن 22% تعرضوا لأذى مباشر بسبب حسد زملائهم. وفي العالم العربي، تظهر الدراسات أن الحسد الخبيث أكثر انتشاراً منه في المجتمعات الغربية بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية التي تجعل الناس أكثر تشبثاً بما لديهم وأكثر خوفاً على ما عند غيرهم.

أخطر ما في هذا المرض أنه يصبح ثقافة. يتحول من شعور فردي إلى طاقة جماعية للكراهية. وتجد نفسك منغمساً فيها دون أن تشعر. تتكلم مع أصدقائك عن فلان الذي نجح، تتناقلون الشائعات، تبررون فشلكم بنجاحه، تبحثون عن عيوبه، تفرحون بأي خبر سيء يصل إليه. كأنه عدو يجب هدمه، وليس أخاً ناجحاً يجب أن نفخر به. وهكذا، نصبح أمة تطلق النار على من يسبقها في السباق، ثم نتساءل لماذا نحن دائماً في المؤخرة.

والسؤال الآن: كيف نخرج من هذا؟ كيف نطهر قلوبنا من هذا السم؟ كيف نصنع مجتمعاً يفرح بنجاح أبنائه بدل أن يأكلهم حسداً؟

الحل يبدأ منك أنت. من قلبك أنت. ليس من الحكومة ولا من القوانين. الحل أن تجلس مع نفسك وتسألها بصدق: كم مرة تمنيت فشل شخص ناجح؟ كم مرة شمت بفشل زميل متفوق؟ كم مرة قلت “ما شاء الله” بلسانك وتمنيت زوال النعمة في قلبك؟ هذا السؤال مؤلم. لكنه باب العلاج.

ثم تبدأ في تغيير سلوكك الصغير. حين ينجح أحدهم، اجبر نفسك على أن تهنئه بصدق. أن تقول له: “ما شاء الله، أفتخر بك”. في البداية سيكون ثقيلاً على قلبك. لكن مع التكرار، سينفتح قلبك. لأن القلب مثل العضلة، يتدرب. افرح لابنك إذا نجح، ثم لابن جارك، ثم لزميلك، ثم لمن لا تعرفه. درب قلبك على الفرح للناجحين، وتذكر أن نجاحهم ليس سرقة لرزقك، بل هو دليل على أن النجاح ممكن في هذا البلد. فإذا نجح غيرك، فأنت أيضاً تستطيع.

وتذكر دائماً الآية التي تحمل مفتاح الخلاص: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾. استعذ بالله من الحسد، من همزات الشياطين التي تهمس في قلبك أن تتمنى زوال نعمة أخيك. وصدق مع الله في قلبك. فإن صدقت، تحررت.

وفي النهاية، تذكر أننا لن ننهض أمة ما دمنا نأكل أبناءنا الناجحين. سرقة النجاح ليست سرقة المال، إنها سرقة الأمل وسرقة المستقبل. وكفانا تهميشاً لمن ينجح، وكفانا خوفاً من نجاحاتنا. حان الوقت لنقول للعالم: نحن أمة تفرح بنجاح أبنائها. نحن أمة ترفع من ينجح، ولا تقطعه. نحن أمة تعلم أن نجاح غيري هو نجاح لي، لأنني أعيش في وطن الناجحين. اللهم أخرج من قلوبنا الحسد وأبدله حباً وفرحاً للإخوة. اللهم إنا نعوذ بك من شر حاسد إذا حسد.

المهيري بنعيسى