كتبت: سحر الحاج
_سأقرأ عليه و إن شاء الله، سيشفى وأمر المؤمن كله خير.
اصبروا عليه لن يمسه مكروه بإذن الله….
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- {قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد}
{من شر النفاثات في العقد}، {من شر النفاثات في العقد}.
_ أنه لا يعي ما أقرا عليه لهذا فهو يصرخ هكذا، فقط ثبتوه جيداً، بإذن الله وباسم الله، يشفى وينهض، الله أكبر… الله أكبر
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين}، -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- {و قال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم… ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون}، -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى…ولا يفلح الساحر حيث أتى}،
_ لقد فقد وعيه أيها الشيخ، ماذا أصاب ابني؟ وكأنه ليس هو!
_ هذا من تأثير الرقية عليه، لا بأس يا أختي ابنك بخير، وفي أتم العافيه لن يصيبه أذى بعد كلام الله.
استعاد «عادل» وعيه، يحاول أن يستوي جالساً من رقدته، متسالاً بحيرةٍ أين هو؟ وما هذا المكان!
كفكفت «بتول» دموعها بطرف رداءها، محاولة التظاهر بالتماسك والقوة، حتى شعرت بيدٍ حانيه تربت على كتفها يطمئنها «عبدالله»،
_ ابنك بخير وكفي عنك أذيال اليأس وأرفعي رأسك شاكرة الله على وجوده بخير بيننا حتى هذه اللحظة، قالت من بين دموعها وقهرها:
_ الحمدلله على كل حال.
شعرت بعد كلماتها تلك وكأن جبل ثقيلاً على أكتافها خرا ساكنٍ مبتعداً من عليها، نظرت إلى ناحية «عادل» وما زالت عيناه تبحث عن إجابة، رفعت عيناها لزوجها «عبدالله» تستمد منه قوة الحديث، ابتسم لها و فهم ما ترمي له بنظراتها، قال بعد صمت قصير:
_ أنت مصاب « بسحر الشموع» ولنا شهر نأتي لعلاجك وهذه كانت أخر جلسات الرقية الشرعية.
صدم عادل مما سمعه وكأنه في حلم عميق وعرف في قرارة نفسه من الذي فعل به هذا…
_« كما تدين تدان». قالها من صميم قلبه رافعا رأسه للسماء طالبا من الله، أن يرى فيها عجايب قدرته.
ساعده والده على النهوض، مسندٍ رأسه إلى الخلف، ليقول بعدها:
_ هذا اختبار من الله لينظر كيف هي درجة إيماننا، والحمدلله أننا كنا نظن في الله خيراً، ولم تسوء حالتك أكثر.
أغمض عينيه متنفساً الصعداء، ليفتحهما من جديد ومتحدثٍ بتأنيب ضمير يغالبه:
_ كل ما أصابني لأنني لم أسمع كلمتكم، كنت أرفض حديثكم وأصده دوما.
_ لا عليك يا بني كلها دروس من الحياة، ونحن نأخذ العبر منها لا أكثر، والحمدلله أنك في أتم الصحة والعافية.
**********
….قبل شهرين….
ليلة مُظلمةُ عاصفةً هوجاء أجواء باردة شتاءُ خريفي قارص، الشوارع ساكنة، لا تسمع إلا حفيف الأشجار هنا وهناك، دوي الرعد في الأفق عالياً ينذر؛ باقتراب هطول أمطار غزيرة، أصوات نبيح الكلاب يزعج السامع، قطن كل سكان القرية داخل منازلهم، بعد أن سمعوا على الراديو أخبار الطقس اليوم ستكون سيئة جداً، وعلى الجميع أن لا يغادرو منازلهم ليلاً…
أغلق «عادل» الراديو بعد سماعه أحوال الطقس، بعد أن قام من رقدته تلك، اعتدل في جلسته وسط السرير الصغير، البلاستيكي ذات مُلةٍ من الخشب الأبنوسي، وأرجلٌ خشبية، وضعه تحت ظل شجرة النيم كما يفعل كل مرة؛ عندما يأتي لزيارة أسرته كل نهاية أسبوع بسبب طبيعة عمله في المدنية، لحظات وبدأت الأمطار في الهطول،
نهض «عادل» صاحب الثلاثين عاماً، طويل القامة وسيماً، قوي البنية، حاملاً سريره، ويمسك بيده الأخرى جهاز الراديو يهرول مسرعاً نحو إحدى أكواخ البيت، دخل وهو يتمتم بخفوت:
_ في هذا الوقت تحديداً!
أفاقت أمه «بتول» من غفوتها، على حركته داخل كوخهم الصغير، نظر لها بطرف عينه كان يحاول الهرب منها طول اليوم؛ يعرف جيداً عندما يأتي لزرياتهم في العطلة لا أحاديث متبادلة غير سيرة زواجه من «سلاف» ابنة عمه، التي زعموا منذ صغره أنه سيتزوجها حتماً؛ ولكن لن تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فترك قلبه الولهان هناك في المدنية التي يمكث فيها من أجل العمل، مع الفتاة التي يحبها بصدق، وضع سريره بهدوء، نهضت أمه متكأة واضعة رأسها على كفة يدها، عندما رأها أفاقت من غفوتها القصيرة، جلس هو الأخر مستسلم لحديث والدته، قبل أن يأتي والده هو الأخر ويكمل ما بدأته أمه، قالت وهي تستقيم لتجلس:
_ أراك منذ أن أتيت اليوم وأنت شارد في فكرك!
اعتدل في جلسته متجهاً نحوها، وابتسامة عزبة رقيقة تزين ثغره:
_ هل تظنين يا أمي أن أجد سعادتي في المرأة التي لم اختارها؟ ولم أشعر بها يوماً إلا أنها مثل أختى!
تغيرت ملامح «بتول»، وأيقنت أن ابنها لديه ما يقصه عليها قالت بعد صمتٍ ليس طويلاً:
_ هل أفهم من حديثك هذا أنك لا ترغب في زواجك من ابنة عمك «سلاف»؟
أوما برأسه من غير أن يستطرد حديثه من جديد أكتفى بالنظر إلى ملامح أمه جيداً فهي الوحيدة التي تفهم ما يشعر به وما يفكر فيه.
_ كله في علم الغيب ولا ندري بالمكتوب يا ولدي، فقط ننتظر أقدار الله.
قالت كلماتها تلك وأكتفت بالصمت، كان وقع جملتها في نفسه كبير جعله يفكر من جديد.
عندما رأت قسمات وجهه تبشر بالراحة، استطردت حديثها:
_ لكني لا استطيع أقناع والدك فتعلم أنه حدد موعد عقد قرانك منها، وأنت لم تبادر بالرفض فكنت مطيعٍ لوالدك، لماذا تراجعت الآن؟
لم يجبها أكتفى بالصمت، لحاجة في نفسه يعلمها.
هدأت العاصفة الهوجاء في الخارج، وعلت رائحة المطر في الأجواء، وتبللت الشوارع والطرقات بالمياه؛ حتى تحول التراب إلى طين نتيجة غزارة الأمطار، تفرقت السحب، وظهرت النجوم تزين قلب السماء يتوسطها القمر المنير، في وقت السحر، وقتٍ لا يصحو فيه إلا من له حديث مع الله.
لم يغمض «لعادل» جفن بقى مستيقظٍ طوال الليل، ينظر عبر النافذة المفتوحة لبريق النجوم؛ لكن علقة شارد في كيف له أن يخبر والده في الصباح أنه لا يرغب في الزواج منها؟ وأن كل تلك القناعات التي يتبعونها منذ نعومة أظافرهم لا علاقة لها بجيلهم هذا اليوم، ظل يفكر حتى طلع الفجر وصاحت الديوك، معلنة حلول صباحاً جديد، بالنسبة له ليس كأي صباحٍ من قبل.
*********
وثبت واقفه ملبية طلب أمها، مرسلة إياها إلى بيت عمها
«عبدالله» في شأن لها عند سلفتها «بتول» أرتدت عباءتها وحجاب رأسها مغادرة بحياءٍ لحيث تقودها خطواطتها «سلاف» فتاة رشيقة صاحبة عينين واسعتان بنيتان و رموشٍ كثيفة جعلتها فتاة فائقة الجمال… تستحى كثيراً في الذهاب لبيت عمها فقط عندما يكون «عادل» موجود؛ أما في غيابه فتذهب لمشاركة بنات عمها بعض جلسات الحديث.
مشت على استحياء في طريقها، لا ترفع رأسها عن خطوات سيرها أنزوت بإحدى أزقة الطريق الطويل الذي يوصلها إلى حيث تريد، إلتقت عند مدخل البيت بابنة عمها «فاطمة»، كانت تلك الأخرى ذاهبة إلى مدرستها في الثانوية العامة، وقفت معها قليلاً تتبادل معها أطراف الحديث، تركت الباب موارب قليلاً، ولم تكن «سلاف» تدرى أن هناك أعين أرهقها السهر و التفكير تراقبها عن بعد دون أن تشعر بها.
دلفت إلى داخل البيت بعد أن فارقتها فاطمة، لم ترفع نظراتها عن الأرض وكأنها شعرت بمن يراقبها؛ بل خفق قلبها طرباً و حياءً لناظرها، تقدمت في خطواتها بخجل إلى خالتها «بتول» كما تحب أن تناديها دوماً، وتحبها الأخرى من صميم قلبها، استقبلتها بحضنها الدافئ مُقبلة خدها بحنان، تقول:
_ مرحباً… بعروس ابني الغالية.
ضحكت «سلاف» من كلمات خالتها لتنطق من بين ضحكاتها:
_ لن يمل لسانك عن قول هذا أبدا يا خالتي!
أومت برأسها مبتسمة، تشير إليها بالجلوس قربها…
جلست طويلاً تتحدث مع زوجة عمها، حتى جاء عبدالله وأنضم إليهم وكله أمل في أن يتزوج ابنه عادل هذه الفتاة الطيبة البرئية ولا يخلف وعده ويكسر كلمته، أمام أهالي القرية.
*********
خرج من كوخهم الصغير، يتثاب متمطياً كسلاٍ ويحاول أن يبدؤ في نشاط ولكن دون فايدة، رأى «سلاف» تقف عند نهاية الرواق متكأة بظهرها على الجدار خلفها، بدت له جميلة جداً بمظهرها هذا، ثوبها الواسع الذي يصل إلى نهاية قدميها، وغطاء رأسها الذي لا يظهر شيء من شعرها، ابتسامتها العزبة وكأنهاصدقةٍ سرٍ لا تريد للناس رؤيتها! هكذا هي عندما تظهر ابتسامتها تلك، وقف مكانه يتأملها من بعيد من دون أن تستطيع رؤيته؛ سأل نفسه كثيراًعن تلك الفروقات التي بينها وبين محبوبته «ريم»! التي تنتظر عودته وهو يبشرها بقبول أهله الزواج منها، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، هل أحسن الأختيار حقا؟ فشتان ما بينهما الاثنتان؛ «ريم» الفتاة المدللة صاحبة القوام الرشيق متحررة بعض الشيء حتى لبسها لا يرضي أحد!
تذكر حديثه معها قبل أيام عندما رأها بملابس تظهر مفاتنها، قال لها وقسمات وجهه توحى بالانزعاج:
_ أخبرتك يا ريم إذا كنتي تحبين طريقة لبسك تلك وغنجرتك هذه؛ فلن أتقدم لخطبتك أبداً فأنا لا أقبل أن أتزوج فتاة بهذا المظهر هل فهمتي حديثي؟!
نظرت له بعجرفة وغرور تقول:
_ لن أغير مظهري حتى أراك في بيتنا، ومعك خاتم الخِطبةَ وقتها أصدق أنك تريد الزواج مني.
رمقها بإذراء وتغزز ولم يعقب على جملتها المستفزة له غادر والغضب يتملك نفسه، معلناً لها ابتعاده عنها للابد…
عاد من شرده على صوتها، وهي تلقى عليه السلام بحياءٍ فزادت ضربات قلبه نبضاً، فرد عليها السلام مبتسماً، وكأنه أول مرة يبتسم فيها.
********
أزعن على طلب أبيه ووافق على الزواج من سلاف، ولكن هذه أول مرة يشعر فيها أنه راضي تمام الرضا عن خطوة يخطوها، ولا يهاب عواقبها؛ وكأن حبه لريم قد تلاشى أدراج الرياح، منذ أن احس الفرق بينهما وقلبه يميل على سلاف وعند ذكر اسمها يرقص قلبه فرحاً، لم يعد يقابل ريم منذ أن طلب منها أن تتغير للأفضل، ولكنها قابلته بالرفض بحجة أنه، لم يأتي لطلب خِطبتها بعد؛ لهذا قرر رمي الماضي خلفه للأبد.
تم عقد القران والجميع في حالة من السرور والفرح، لقد عقد اسمها سلاف باسمه عادل و زين بنصرها خاتم زواجها منه، أما هو فكان قد عقد خاتمها في قلبه قبل يده، توشحت بفستانها الأبيض الخلاب جعلها وكأنها أميرة خارجة من إحدى قصص الخيال…
لم يغادر المدعوين بعد وما زالت الوليمة في بدايتها، ولم تبقى ابتسامته طويلاً حتى شعر بألم حاد في رأسه، وخدرٍ في ساقه اليسرى، أمسك رأسه بكلتا يديه يصرخ من الألم، فزع والدايه وركضا نحوه؛ بينما جفلت سلاف فزعه من صرخته المفأجاة، لم يستطع التكلم معهم من الألم، أمسكه والده يعوذه بالله، ولكن لحظات وصرخ مجدداً وتحول الألم إلى الساقين وضيق في صدره؛ فكان يعلو ويهبط وكأنه لا يستطع التنفس، عاد ألم رأسه بقوة ظل يئن من الألم صرخ متوجعاً يمسك أسفل ظهره وعيناه حمراء لا يراى أمامه إلا رؤيه ضئيله،
بكت والدته لما أصاب ابنها الوحيد في ليلة زفافه، وقفت سلاف مشدوهة ترتجف باكيةٍ لا تدري ماذا حدث فجأة له!
غادر كل المدعوين بعد ما رأو ما أصاب أهل العروسين من توترٍ وانزعاج، لم يتبقى إلا العائلة في وسط حيرة وتساؤل؟!
عكف والده عبدالله يقرأ عليه حتى هدأ ألم جسده قليلاً وارتخت عضلاته المتشنجه، أغمض عينيه متألما ليسمع صوتٍ عزباً يناديه من خلف أذنه، وثب واقف وكأنه لم يصبه وجع، يقول لوالده:
_ أنها تنتظرني هناك… علي الذهاب إليها زواجنا غدا وهي تريدني أن أتي إليها اليوم.
صدم الجميع وعم الهدوء بينهم يحاول بعضهم فهم ما يقصده بقوله هذا!
إلتفت فجأة تلقاء سلاف يصرخ في وجهها، وينطق غاضباً:
_ لا أريدها لا أقبلها زوجتي، أنا أحب ريم وأريد الزواج منها حالاً من أنتم حتى تزوجني من لا أريدها يوماً.
بهتت سلاف من كلماته وقلبها يتفطر حزناً على ما حصل لها يوم زفافها، بكت بصمت تعالت شهقاتها، هرولت مسرعة تجر معها أذيال الحزن والأسى…
*********
قبل أيام…..
تأبعته بنظرة خبيثة تسبقها ابتسامة ماكرة تحدث نفسها «سأجعلك زليلاً تحت قدماي، وتقبلني كما أنا ولن تستطيع فعل شيء سوا الخضوع لي، ستصبح خاتم في أصبعي أتحكم بك كيفما أشاء».
جاءت صديقتها «حفصة» تمشي بكبرياء وغرور، بعد أن رأت عادل يغادر تأبعته هي الأخرى بنظراتها وقفت قربها تقول:
_أراه غادر منزعجاً! هل قلتي له ما ضايقه لهذه الدرجة؟
ضيقت عينيها، إلتفت تواجه حفصة وعلامات الخبث و الغيرة بادية على وجهها، تحدثت بصوتٍ يشبه فحيح الحية:
_ أخبرني إذا لم أغير حياتي من أجله، لن يأتي ليتزوجني، رمى بكلماته تلك؛ كأنها أخر مرة يراني فيها.
ضحكت حفصة بصوتٍ عالي حتى أصابها السعال، صمتت قليلاً تقول لصديقتها:
_ لا أظنه يستطيع الابتعاد عنك، فمثله لا يفعل ذلك إذا وعدك بالزواج!
_ يريد الزواج من ابنة عمه، حدثني من مدة طويلة أنهما مخطوبان لبعضهما منذ صغرهما، لأن هذه عادات أهل بلده. لكن لن أجعله يتزوجها لطالما استطيع منعه.
فهمت حفصة مغزى حديثها، وذهبتا معاً لفعل ما لم يكن عادل يحسبه أن يحدث يوماً، وصلتا عند بيت يقع على أطراف المدنية، سيدات يجلسن على مقاعد متفرقه، وغرفة غريبة في أخر الرواق، بعد وقتٍ تقدمت نحوهما سيدة بدينة قصيرة القامة متوسطة العمر، قامت بإدخالهما عند «الشيخ الروحاني».
غرفة مُظلمة إلا من إضاءة ضئيلة، أشياء غريبه الشكل مخيفة، تناثرت هنا وهناك، جماجم معلقة تتدلى من أطراف الحائط، أوراق وطلاسم متبعثرة بشكلٍ عشوائي، يجلس خلف حزمة من تلك الأوراق رجل ذا عينان شاخصتان مخيفتان تبث نظراته الرعب في النفس، يرتدي لباسٍ غريب الشكل، تمعن النظر جيداً في الفتاتين كل واحده تمسك بالأخرى والخوف والفزع جمد جسدمهما،
_«تفاضلا بالجلوس»… قالها عندما رأى أن الصمت يتملكهم، مكفهراً وجهه يقول بصوتٍ مخيف خشنٍ.
_« ما هو طلبكما؟»، ثم أخذ ورقة وبدأ يكتب ما تمليه عليه ريم وهي ترتجف من الخوف:
_ أريد سحره ليكون لي أنا فقط، لا يقبل بغيري و لا ينظر لغيري أن أملكه ملك أبدي يخضع لرغبات ويأتيني وقتما أشاء.
أنهت حديثها و عيناها تشع خبثٍ وحقدٍ وتملك غير مشروع، طغى عليها الحب الخبيث المسحور، فانساها ذكر الله… أخبرها الشيخ الروحاني أنه سيقوم بعمل سحرٍ له يجعله يأتي إليها في أسرع وقت… وهذا السحر يكلف كثير من المال؛ لأنه يستنفذ طاقته وينادي أقوى وأخطر الاتباع له، وهو « الأرضي بحت» كما يطلقه عليه لأن من يستخدمه من الأرضي هو من يوجهه، أو يكون ملبوسا سلفيا به… أخذ الشيخ قصاصات ورقية ذات لونٍ غريب يتفحصها جيداً، بدأ يكتب فيها آيات من القرآن الكريم بشكلٍ معكوس؛ أي من أخرها لأولها، ثم تلى عليها «العزيمة الشركية»، وهي طلاسم وترانيم غير مفهومة للسامع، بذلك يتقرب بها إلى الشيطان وأتباعه، حتى يستجيبوا وينفذو له ما يطلبه منهم،
لم يفهما ريم وحفصة ماذا يفعل هذا الشيخ أبداً فقد بدأت تعابير وجهه تتغير، والمكان أصبح وكأنه غرفة أشباح في حديقة الملاهي، أهتزت الجماجم المعلقة في الجدران، إضاءة الغرفة الحمراء كانت تعلى وتخفض، شهقت الفتاتين بصوتٍ عالي، عندما شاهدت طيف شبح في الغرفة خلفهما، تماسكتا بكلاهما بخوفٍ حتى جاءهم صوت الشيخ خشنٍ:
_ لا تخافا… هذا أحد أتباعي جاء لتنفيذ طلبكما الذي سينفذه في أسرع وقت…
فزعت ريم وحفصة وبقيتا مشدوهتين، والندم يعلو وجههما حتى أصاب ريم الورع لهول ما فعلته وأقدمت عليه، بعد أن رأت الشيخ يعكس {قل هو الله أحد}، والعياذ بالله. وطوى الورقة واضعا إياها في صندوق صغير، في داخله شمعة صغيرة بيضاء اللون، ويردد آية «سورة يس» بالمقلوب. تلون وجهه بزرقة سوداء كسواد الليل من شر ما يفعله، فلبت الشياطين طلبه
الشخص المقصود قال بثقةٍ معهودة منه:
_ سيبدأ مفعول السحر عليه في وقتٍ قصير، ويجتاح جسده ألم مبرح حتى يخشى عليه مغمياً، وعندما يستفيق من إغمائه سيذكرك، ويأتي ليطلب الزواج منك في أقرب وقت…
أومت برأسها موافقة، وضعت يداها على وجهها تبكي بنشيج مسموع وتندب حظها التعيس، الذي أوصلها لأن ترى آيات الله يستهزء بها هكذا! ربتت حفصة على كتفها، واسندتها لتقف مغادرة هي وصديقتها، بعد أن أخبرهما الشيخ بتفيذ ما جاء من أجله.
*********
لم ينعم عادل بالراحة بعد أفاقته من إغمائه، وعزم على ترك سلاف والحاق بمحبوبته ريم والزواج منها اليوم قبل غدا، أمسكه والده مثبتٍ إياه على ما ينوي فعله، ولكن كان تحت منوم مغنطيسي تأثير السحر يغلبه ولا يرى سوا ريم، عندما رأت بتول تغير حال ولدها فجأة أتاها إحساس غريب وشعرت به أنه ليس على طبيعته فهو في عالم أخر لا يرى فيه غير ريم، فأخبرت والده بالذهاب إلى شيخ لرقية شرعية يخرجه من حالته تلك بإذن الله جل جلاله، وافق عبدالله على مضض، وذهب يبحث عن من يداوي إعياء ابنه…
لم تستطع سلاف البقاء مع عادل حتى لا تسوء حاله وهو يراها أمامه فبأت يكره رؤيتها ويتهمها بالتفرقه بينه وبين ريم، كانت تأتي من حين إلى أخر عندما يغفو قليلاً، تنظر له من النافذة الصغيرة من خلف الكوخ الذي كان يجب أن يضمهما معاً، ولكن كان له هو فقط ويبقى داخله حتى تأتي ريم وتحل مكانها بينهم، كفكفت دموعها المنهمرة على خديها الناعمين، وتذهب تاركة قلبها معه مستودعه إياه رب العالمين، الكل في المنزل ينظر لها بعين الشفقه، وهذا كان يؤلمها جداً أن تكون مصدر شفقة للجميع، تلفتت حولها تبحث في اللاشي جلست تحت ظل شجرة النيم على سريره المفضل، شاردة في أفكارها تعلم أنه مكانه الذي يحب الجلوس عنده والاستماع إلى أخبار الطقس اليومية يعشق الخريف ورائحة الطين بعد المطر، هبوب الرياح لتتساقط بتلات النيم على رأسه كالمطر، عادت من شرودها على صوت الشيخ يلقى السلام عند رواق البيت قبل الدخول يتقدمه عمها عبدالله، متجهين إلى كوخ عادل…
لم يصحو عادل من غفوته حتى بدأ الشيخ يتلو عليه سورة الأخلاص والفلق والناس مردد ثلاث مرات ويكرر آية{من شر النفاثات في العقد} ثلاثة مرات، بدأ جسده ينتفض مع كل آية يقرأها، أصابته جرفة قوية وتصبب رأسه عرقٍ، راقبتهم سلاف وبتول من بعيد وعندما رأت ينتفض بشدة هرعت مهروله نحوه تتشبث به باكية عليه، أبعدها الشيخ مطمئنا إياها:
_ هذا رد فعل طبيعي، وفي كل جلسة سيكون أشد من التي قبلها.
وقفت عائدة لمكانها تمسح دموعها بطرف ثوبها، احتضنتها بتول قائلة:
_ سيعود عادل ونفرح من جديد، لن يتغير شيء.
ابتسمت من بين دموعها، تهز رأسها إيجاباً…
تواصلت جلساته لمدة شهرٍ في الاسبوع يوم واحد يأتي فيه الشيخ ليرقيه وكان في كل مرة يغمى عليه ويرتعش جسده وينتفض أقوى من قبل، حتى كان في أخر جلساته قرأ عليه الشيخ:
_{قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد}
{من شر النفاثات في العقد}، {من شر النفاثات في العقد}.
_ أنه لا يعي ما أقراه عليه لهذا فهو يصرخ هكذا، فقط ثبتوه جيداً، بإذن الله وباسم الله، يشفى وينهض، الله أكبر… الله أكبر.
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم- {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين}، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {و قال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم… ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون}، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم { قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى…ولا يفلح الساحر حيث أتى}، _
قال عبدالله مقاطع الشيخ:
_لقد فقد وعيه أيها الشيخ، ماذا أصاب ابني؟ وكأنه ليس هو!
_ هذا من تأثير الرقية عليه، لا بأس يا أخي ابنك بخير، وفي أتم العافيه لن يصيبه أذى بعد كلام الله.
_ جزاك الله خير أيها «الشيخ» الفاضل كتبه الله في ميزان حسناتك.
استعاد عادل وعيه، يحاول أن يستوي جالساً من رقدته، متسالاً بحيرةٍ أين هو؟ وما هذا المكان!
كفكفت بتول دموعها بطرف رداءها، محاولة التظاهر بالتماسك والقوة، حتى شعرت بيدٍ حانية تربت على كتفها يطمئنها عبدالله، ابنك بخير وكفي عنك أذيال اليأس وأرفعي رأسك شاكرة الله على وجوده بخير بيننا حتى هذه اللحظة. قالت من بين دموعها وقهرها:
_ الحمدلله على كل حال.
شعرت بعد كلماتها تلك وكأن جبل كان على أكتافها خرا ساكنٍ مبتعداً من عليها، نظرت إلى ناحية «عادل» وما زالت عيناه تبحث عن إجابة، رفعت عيناها لزوجها عبدالله تستمد منه قوة الحديث، ابتسم لها فهم ما ترمي له بنظراتها، قال بعد صمت قصير:
_ أنت مصاب «بسحر الشموع» ولنا شهر نأتي لعلاج وهذه كانت أخر جلسات الرقية الشرعية.
بهت عادل مما سمعه وكأنه في حلم عميق وعرف في قرارة نفسه من الذي فعل به هذا…
ربتت سلاف على كتفه مبتسمةُ له، ليبادرها الابتسامة قائلاً:
_ أنتي النعمة التي وهبني الله إياها، فرفستها بقدمي، فأذاقني الله مرارة ترك النعمة، فكنتي المرأة الصالحة في الوقت الذي كنت فيه غير صالحٍ لكِ،
قطعت حديثه بيقين تقول:
_ ليس كل من نلتقي بهم صالحين،
_ «كما تدين تدان». قالها من صميم قلبه رافعا رأسه للسماء طالبا من الله، أن يرى فيها عجايب قدرته.
ساعده والده على النهوض، مسندٍ رأسه إلى الخلف، ليقول بعدها:
_ هذا اختبار من الله لينظر كيف هي درجة إيماننا، والحمدلله أننا كنا نظن في الله خيراً، ولم تسوء حالتك أكثر.
أكمل يقول بعد صمتٍ قصير:
_ للأسف تعرضت ريم وصديقتها لحادثٍ مروع، والآن هي في حالة خطيرة جداً.
” العبرة بالخواتيم، وصاحب السحر يعذب ساعيه وفاعله، فكما تدين تدان”.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق