الوقت هنا يتوقف عند الساعة الخامسة مساءً، حين كانت تدخل الباب بابتسامةٍ تزيح عن المكان ثقله. المقهى القديم الذي صار أشبه بمساحةٍ من ذاكرتي، كل زاوية فيه تحمل حكاية، كل كرسي يهمس باسمك عندما يجلس عليه أحد. حتى رائحة البن المحمص التي كانت تملأ المكان، صارت الآن خافتة كأنها تخجل من ذكراك.
أجلس في زاويتنا ذاتها، حيث كنا نتبادل الأحلام فوق فناجين القهوة الدافئة. تلك الطاولة الخشبية التي تحمل آثار أظافركِ حين كنتِ تحكين بحماس، وخطوط القلم التي رسمناها يومًا ونحن نخطط لمستقبل لن يأتي. النادل العجوز يعرف طلبي دون أن أنطق به، لكن عينيه تحملان سؤالًا عن الغياب الطويل.
خارج النافذة، تمر الحياة بلا توقف. سيارات تصفع الشارع بعجلاتها، ناس يجرون وراء مواعيدهم، أطفال يضحكون ببراءة لا تعرف أن القهوة قد تكون مرة أحيانًا. العالم يتغير من حولي، لكن هذا الكرسي المقابل لي يظل فارغًا، يحتفظ بشكلك كما لو كان مرآة لا تجرؤ على نسيان انعكاسك.
في جيبي رسائل لم أرسلها، كلمات تجمعت كقطرات القهوة التي تسربت من فنجانكِ ذلك اليوم الأخير. كنتِ تخلطين السكر ببطء، كما كنتِ تخلطين قلبي بين الحب والخوف. لو كنت أعلم أنها آخر مرة أراك فيها، لكنت حفظت كل تفصيل: طريقة تنفسك، نظراتك الخائفة، حتى عدد النبضات التي قفزت في عنقكِ عندما سمعتِ الجرس يدق.
الآن صار المقهى متحفًا لذكرياتنا. ذلك الكرسي المهترئ هو معرض دائم لغيابك. النادل العجوز حارس المتحف الذي يحفظ قصتنا. حتى الفنجان الذي تشربين فيه صار قطعة أثرية، أحتفظ به خلف الزجاج، لا أجرؤ على استخدامه ولا على رميه.
في الزاوية، تبدأ بيانو تعزف مقطوعة حزينة. ربما كانت تعزف منذ دقائق، لكنني أسمعها الآن فقط. نغمة تذكرني بأن بعض اللحظات لا تعود إلا كصدى، وأن بعض القهوة تظل تبرد إلى الأبد في انتظار من لن يعود ليشربها.
المقهى يغلق أبوابه، النادل يمسح الطاولات واحدة تلو الأخرى. عندما يأتي دور طاولتنا، أرى يده تتردد للحظة، كما لو كان يخشى مسح الذكريات مع الغبار. أترك له إكرامية كبيرة كما أفعل دائمًا، مكافأة له على حفظه أسرارنا.
أخرج إلى الشارع حيث المطر الخفيف يبلل الرصيف. مصباح الشارع أمام المقهى ما زال معطلاً كما كان يوم رحيلك. الضوء الوحيد يأتي من واجهة المقهى، ينعكس على البرك المائية، فيخلق وهجًا أشبه بالدموع. أسير بعيدًا، وأنا أعلم أنني سأعود غدًا، لأن بعض الانتظار لا ينتهي، وبعض القهوة لا تُشرب إلا في مكان واحد، مع شخص واحد، في زمن لم يعد موجودًا إلا في زوايا المقهى المنسية.






المزيد
كبرت بسرعة بقلم سها مراد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال
حين تدار الأرواح بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر