مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

زميل يائس

Img 20240218 Wa0061

 

كتب: محمد يسري

نهضت من السرير اليوم، الساعة الرابعة، فجر يوم الأحد، تناولت طعامي و أرتديت الملابس، وخرجت إلى المحاضرة في الجامعة: كانت محاضرة الاستماع حين إذ، لكن لم تكن قد بدأت بعد، تجولت في أركان المبنى، فبصرت بزميل لي يمشي وحده، رافع الرأس، يضع تلك السماعات بهاتفه الذي كان يمسكه بيده، لا أدري، لكن بدى جدا؛ فلم أرد أن أقاطعه.

ظل يمشي صوب المبنى العملاق، المعلق عليه كلية الألسن، أو كلية اللغات، دلف إلى المبنى وأنا أتبعه إلى الداخل، لم يلق التحية على الحارس، أعتقد أنهما كانا إثنان: رجل و امرأة، أختلس نظرة من تحت رموش عينه الجلية. تلك الرموش كانت تعطي لعينه جمالا لم أره من قبل، تميل إلى اليمين و اليسار بجانب عينه وكأنها مرسومة عليه.

 

مشى في رواق الكلية، وتوقف لوهلة عندما رأى المصعد. لربما أراد أن يشعر بشعور أولائك المعلمين الذين يستخدمونه، لكن تردد كثيرََا عندما رأى معلم القواعد خلفه؛ تبسم له و تمتم بكلامات غير مفهومة، تلك الكلمات إذا وضعت بجانب بعضها البعض كونت جملة لا يد لأحد على فهمها، بلطبع يتخللها كلمة (حالك).

فضل طريق السلم، وصعد السلمة فالسلمة، لا يبرح يستمع إلى ما يستمع من هاتفه أسود اللون.

وأنا أتبعه الخطى، لا أفارقه الماشية. صعد للدور الثاني و أخذ اليمين من الردهة، و بصر بالمعلم إياه يدخل إلى مكتبه.

 

و أثناء المحاضرة، بينما كنت استمع للشرح، وقعت مقلتا نظري عليه: كان بائس، واضع رأسه على كفيه، وكأن شئ يجول بخاطره و يموج به في ظلمات الضياع.

 

سألته: ما بك، ما يشردك هكذا؟

فنظري لي، وتأمل نفسه، وباتت تتملقني عيناه، وأجابني: لا أعلم، أنا بخير. وأدار بوجهه إلى الزاوية الأخرى.

رددت عليه السؤال كرة أخرى؛ قال لي: وما دخلك أنت بي! أحرجني، فتركته وأنا بي شيئ من حزن الممتزج بالشفقة عليه.

 

بعد إنتهاء المحاضرة وخروج الطلاب من أماكنهم التي شغروها في القاعة، رجع إلى خلف القاعة الكبيرة او ما ندعوه بالمدرج، فكر كثيرََا فيما سيفعل في تلك الآونة. فتح هاتفه، رأيته يستمع إلى شئ ما و يحرك شفاه يتمتم. كنت أعرف أنه يحب و يولع بالشعر. وكان ذلك فعلا كان يستمع إلى شعر لأبو العتاهيه، انتهى من شطوره، وفتح التطبيق الأخضر، ثم بدأت الكلمات تتساقط: الكلمة فالكلمة في مجموعة كان هو فقط فيها، ثم أنتهى بكتابة تلك القصة التي تقرأها الآن.