زرعتُ في موطني بذور الأمل
الكاتب هانى الميهى
آيادٍ ناعمة… ولكنها ممزقة
الفصل الرابع
السر
ليس كل من يزرع ينتظر الحصاد لنفسه، فهناك من يزرع لأن قلبه لا يعرف إلا الزراعة، حتى وإن أيقن أن غيره سيقطف الثمار.
لا يبدأ الأمل حين تتغير الظروف، بل يبدأ حين يقرر الإنسان أن يزرع شيئًا جميلًا فى أرض يعرف أنها قاسية. فالأرض الخصبة لا تحتاج إلى شجاعة، أما الأرض التى أرهقها الجفاف، فلا يقترب منها إلا من يؤمن أن المطر قد يتأخر، لكنه لا ينسى طريقه.
كنت أظن أن الحياة تشبه الحقول؛ إذا وضعت فيها بذرة طيبة، فلن تعطى إلا ثمرًا طيبًا. هكذا تعلمنا، وهكذا صدقنا، وهكذا بدأنا نسير. كنا نؤمن أن الكلمة الصادقة تنبت، وأن النية الخالصة لا تضيع، وأن الخير إذا خرج من القلب عاد إليه يومًا مضاعفًا.
لكن الحياة لا تكشف قوانينها كلها فى البداية.
أحيانًا تزرع الأمل، فيخرج لك الخوف. وتزرع الصبر، فتسبقك الدموع. وتزرع المحبة، فتفاجئك القسوة. ليس لأن البذور كانت فاسدة، بل لأن الأرض التى استقبلتها كانت تحمل جراحًا أقدم من كل محاولاتك.
وكم من إنسان أنهكه السؤال: لماذا لم يثمر كل هذا التعب؟ لماذا عدت كل مرة بيدين فارغتين، رغم أننى لم أبخل بشىء؟ لماذا يبدو أن الشر أسرع فى النمو من الخير، وأن الباطل أكثر صخبًا من الحق؟
ثم يكتشف متأخرًا أن بعض البذور لا تنبت فى الموسم الذى زرعت فيه، وأن بعض الخير لا يعود إلى صاحبه بالطريقة التى كان ينتظرها.
إن أكبر خطأ نقع فيه أننا نربط قيمة الزرع بسرعة الحصاد. فإذا تأخر الثمر، ظننا أن تعبنا ضاع. بينما الحقيقة أن الله لا يطلب منا أن نصنع النتيجة، بل أن نخلص فى الغرس.
كم من أم غرست الأخلاق سنوات طويلة، ثم ظنت أنها فشلت، قبل أن ترى أبناءها بعد أعوام يحملون ما زرعته فى قلوبهم. وكم من كلمة خرجت من قلب صادق، وظلت ساكنة فى قلب صاحبها سنوات، ثم أيقظته فى لحظة لم يتوقعها أحد.
ليس كل زرع يرى صاحبه حصاده.
وليس كل حصاد يكون فى الدنيا.
ولهذا كان الأنبياء يزرعون أكثر مما يحصدون، ويبلغون أكثر مما يرون من النتائج، لأنهم أدركوا أن قيمة الرسالة ليست فى عدد المستجيبين، بل فى صدق البلاغ.
ربما لهذا يؤلم الإنسان حين يرى بذور الأمل محاطة بالأشواك. ليس لأنه يكره الأشواك، بل لأنه يعرف كم تعب وهو يغرس تلك البذور بيديه، وكم مرة سقاها من صبره، وكم مرة دافع عنها وهو يعلم أن الريح أقوى منه.
ومع ذلك…
لا يتوقف عن الزراعة.
ليس لأنه لا يرى الواقع، بل لأنه يرى ما وراء الواقع. يرى أن الأرض التى لم تنبت اليوم، قد تكون غدًا وطنًا لسنبلة واحدة، لكنها تكفى لتثبت أن الخير لم يكن يومًا عملًا ضائعًا.
ولهذا، لم تكن المأساة أنها زرعت الأمل…
بل أن قلبها كان أنقى من الأرض التى احتضنت ذلك الأمل.
رسالة الفصل
قد يتأخر الحصاد، وقد تتكاثر الأشواك، لكن البذور الطيبة لا تضيع عند الله، وإن لم ترها العيون وهى تنبت.
تمهيد الفصل الخامس
لكن لم يكن تأخر الحصاد هو ما كسر القلب…
بل ما جاء بعده، حين نظرت إلى ما زرعته، فلم تجد أمامها إلا حقيقة موجعة:
“وما حصدتُ إلا جراحات الأشواك.”






المزيد
دُجى بقلم أيثار باجوري.
خاطرة: أن تمرَّ الأيام بثقلها بقلم خيرة عبدالكريم
خُرافة للأبد بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد