سارة أسامة النجار
تعال معي على متن سفينة الخيال في بحرٍ عميق ليس له حدود. وتخيل أنك فجأة حصلت على “ريموت كنترول”، فأي الأزرار ستضغط؟ بين السابق والتالي والكتم والإعادة والمايكروفون، كبسة زر واحدة كفيلة بتحريك شراع حياتك لوجهة مغايرة.
البعض اختار “السابق”، لأنه معلق بخيوط الماضي، يتأرجح بين الحنين والندم في أرجوحة من الذكريات. فدخول ساعة الزمن للعودة للوراء، توقًا للحظات الجميلة والسعيدة، أو ربما لتصحيح أخطاء الماضي، أو من أجل قطف العبر والدروس من تجارب مضت، فالماضي هو النبع الذي يستقي منه المستقبل دروسه. فالسابق سيكون فرصة لعيش الحياة بخبرة واعية.
عدا عن ذلك، هناك أناس يرغبون في العودة للراحة والأمل، حيث الاستقرار والوضوح.
وعلى النقيض تمامًا، سيختار البعض زر “التالي”، وهم من يملكون نظرة تفاؤلية، ويؤمنون أن ما فات قد مات وعليهم المضي قدمًا، وفتح أبواب المجهول، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر. وهم مفتونون باستكشاف كل ما هو جديد، لتمزيق رتابة الحياة وكسر قيود الروتين، وبحثًا عن التغيير الإيجابي والتطوير المستمر. وهناك من اختار “التالي” هروبًا من آلام الحاضر وتجاوز ثقل الأحزان، بحثًا عن آفاقٍ جديدة.
وبين هذا وذاك، سيندفع الكثيرون لضغط زر “الكتم”، لإخماد صخب الحياة، وإيقاف الأصوات المُحبِطة والسلبية، وكي يتنفسوا بهدوء قليلًا بعيدًا عن المسؤوليات واتخاذ القرارات. هي استراحة مقاتل كي يسترد طاقته وتوازنه قبل العودة لمعارك الحياة. هذا الزر فرصة لضبط السلام الداخلي.
فزر الكتم قد يصبح مرفأ للذين غرقوا في لحظات الضغوط، يحتاجون إلى اصطياد لحظة هدوء لاستعادة ثباتهم.
أما عن أولئك الذين يدوسون زر “الإعادة”، فهم ببساطة يريدون استرداد لحظاتهم السعيدة والخلود بها إلى الأبد، أو أنهم يخشون مغادرة منطقة الراحة، وتكرار المألوف عوضًا عن خوض تجارب جديدة ومجهولة. فهم أقل قدرة على التكيف مع التغيرات، فيجدون الأمان في تكرار بعض المواقف. وقد يحمل ذلك رغبة في التصرف بطريقة مختلفة، واقتناس الفرص في بعض المواقف، للوصول إلى المثالية المزعومة في أذهانهم.
وقد تكون هذه الأزرار غير مجدية لشخص يريد فتح المايكروفون، للتعبير عن ما يلوج في داخله، أو لإعلاء صوت كلمات مكتومة، مثل “أحبك”، “أعتذر”، “شكرًا”، أو الرغبة الملحة لقول “لا” في وجه مصاصي الأمل والطاقة. ومن يختار المايكروفون يتمتع بالجرأة والتحدي، فيتحدث ليبرز ذاته الشخصية، ويحدث تأثيرًا اجتماعيًا أو عاطفيًا. وهناك من يقرر التحرر من عزلته، فيضغط هذه الكبسة.
والآن، أي زرٍ ستختار ولماذا؟ سأتركك تتأمل نجوم فكرك وتقرر، بينما وصلنا إلى شاطئ الواقع، حيث لا تحتاج سوى لفهم ذاتك وتحمل مسؤولية تصرفاتك، وتتحرك نحو هدفك.






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى