مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

روايه أميرة الصمت الحزين – الجزء الأول

كتبت: إيمان يوسف احمد

ليان لم تكن فتاة عادية، كانت تحمل في صمتها حكاية كاملة من الجروح.

عيناها الواسعتان تخفيان حزنًا لم يفهمه أحد.

ولدت في بيت يملؤه الغياب، أم رحلت مبكرًا وأب قاسٍ لا يعرف الرحمة.

كبرت بين جدران باردة، لا صدى فيها سوى صراخ الليل.

كانت تخاف الكلام، كأن الكلمات لعنة ستجر عليها العقاب.

لكن قلبها كان يصرخ كل يوم، يطلب حضنًا، يطلب دفئًا.

وحين دخلت الجامعة، لم تكن تتوقع أن الأقدار ستضع أمامها رجلًا سيهز كيانها.

رجل سيجعلها تفكر للمرة الأولى أن الصمت قد ينكسر.

رجل اسمه آدم.

وكان ذلك بداية الحكاية.

(1)

آدم لم يكن يشبه أي شخص رأته من قبل.

كان يحمل ملامح هادئة، وصوتًا رخيمًا كأنه موسيقى.

في يومها الأول بالجامعة، لمحت ابتسامته العابرة، فارتجف قلبها.

تجنبت النظر إليه، لكنها شعرت بنظراته تتبعها.

قال لها بهدوء: “صمتك أعمق من أي كلام.”

تجمدت، لم تسمع مثل هذه الكلمات من قبل.

أحست أن جدارها الذي بنتْهُ سنين بدأ يتصدع.

ومنذ ذلك اليوم، صارت عيناها تبحث عنه رغمًا عنها.

كان شيئًا جديدًا، مختلفًا، مخيفًا وجميلًا في آن واحد.

وكان قلبها يخطو خطوة لا عودة بعدها.

(2)

الأب، سليم، لم يكن ليدعها تعيش بسلام.

كان يفرض عليها قوانينه القاسية وكأنها سجينة في بيته.

لم يعرف يومًا معنى الحنان، بل كان يردد: “القسوة تصنع القوة.”

لكنها لم تر في قسوته سوى تحطيم روحها.

ذات ليلة، أمسك بكتبها ومزقها أمامها صارخًا:

“لن تحتاجي للعلم، فمستقبلك بيدي أنا.”

اختنقت دموعها في عينيها، ولم تستطع الرد.

كانت تتمنى لو تصرخ، لكنها ابتلعت صرختها كعادتها.

في ذلك الظلام، تمنت لو يمد آدم يده وينقذها.

لكنها كانت تعرف أن الأقدار لا ترحم الضعفاء.

(3)

مع مرور الأيام، صار آدم جزءًا من حياتها.

لم يطلب منها يومًا أن تتكلم، كان يفهمها من نظراتها.

حين تجلس بجانبه، تشعر أن العالم يهدأ.

قال لها مرة: “أحيانًا، يكفي أن نصمت لنسمع قلوبنا.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة، أول ابتسامة صادقة منذ سنوات.

لكنها خافت من تعلقها به، خافت أن يكون حلمًا قصير العمر.

صديقتها الوحيدة، نهى، كانت تلاحظ بريق عينيها حين تراه.

قالت لها: “انتِ لقيتي اللي يداويك يا ليان.”

لكنها لم تجرؤ أن تعترف بذلك حتى لنفسها.

فالحياة علمتها أن كل ما يزهر، يذبل سريعًا.

(4)

ذات مساء، جلست ليان في شرفة غرفتها، تحدق في السماء.

تذكرت كلمات آدم وهي ترن في أذنيها.

لأول مرة شعرت أن قلبها يجرؤ على الحلم.

لكن صوت والدها قطع شرودها وهو يصرخ باسمها.

اقتربت منه بخوف، فقال بحدة: “ابتعدي عن ذلك الشاب!”

تجمدت مكانها، لم تفهم كيف عرف.

حاولت الإنكار، لكن نظراته اخترقتها.

قال: “أنا لا أسمح لك أن تلطخي اسمي بتلك الترهات.”

وعادت إلى غرفتها تحمل قلبًا مثقلًا بالخوف.

وكأن القدر يصرّ أن ينتزع منها كل بارقة أمل.