كتبت: هاجر حسن
ليس لكل حكاية بداية ونهاية، فبعضها يبقى معلقًا بلا إجابة، كما كانت حكايتي معك.
ذهبتُ إلى المكتبة التي اعتدت استئجار الكتب منها، حيث رأيتك أول مرة. رائحة الورق والكتب المصفوفة كما هي، لكنها لم تعد تشعرني بالراحة كما في السابق، بل بذكرى سيئة جمعتني بك، حين تتبعتني وسألت عن منزلي.
جلست على طاولتي المعتادة، وكتبت لك رسالة، علّك تمر يومًا فتقرأها:
“ظهرت لي وسط سحابة من الكآبة التي كانت تحيط بي، فظننتك غيثًا لأيامي، فتحت لك باب قلبي بل وهبتك نسخة من مفتاحه، وآمنت أنك الحصن المنيع الذي سيحميني.
لم أكن يومًا أحب سرد تفاصيل يومي وما يجول في خاطري لأحد، لكن كان فيك شيئًا سحريًا، كأبطال الروايات، سرق عقلي في لحظة.
كان حديثك، كلماتك، وخُلقك الذي يتجلى في خجلك وحفاظك على المسافة بيننا، يزينك في عيني بريقًا. وكأنك نجمٌ لامع في سمائي.
قلت لأبي: اطلب قرة عينك ابنتك، لتكون قرة عيني وتاج قلبي، وأميرة بيتي، وهدية ربي، كلمات جعلت أبي يشعر أنك الجبل الذي من بعده يسندني.
لا أدري من أين تعلمت مهارات فن التلاعب بالكلمات؛ كل حروف اللغة بريئة منك.
سُطرت أسماؤنا على خواتم، ليشهد كل حرف على حكايةٍ خُيل إلينا أنها أبدية. مددت يدي لنقرأ الفاتحة، وكان صوت قلبي يتردد بين النعم واليقين، وكانت روحي ترقص على لحن الأمان السرمدي. لكن شيئًا في عمق مشاعري كان يقول: هناك ما هو خاطئ، غير أن الجميع من حولي طمأنني بأن ما أشعر به توتر طبيعي.
لكنني الآن أتساءل: هل قرأت حقًا الفاتحة لي أم على روحي؟
حتى جاء يوم كتب اسمي على اسمك، يوم تشهد فيه السماء على الفتاة التي تتلألأ نجومها فرحًا.
لكنني كنت صامتة، خالية من الشعور، ومخطوفة الوجه، تساءل الجميع إن كنت بخير، وطمأنت نفسي بتذكر كلماتك وأحاديثنا.
انتظرتك، كأنني أسير على حبل فوق مرتفعات، أثق أنك ممسك بي. راهنت عليك، فسقطت، لأتعلم ألا أراهن على شخص.
أُلغي اليوم الذي كان من المفترض أن يكون أسعد أيام العائلة، وترك ذكرى مؤلمة بلا تفسير. المحزن ليس أنك لم تأتِ، بل إن اسمك وشخصك كان سرابًا، لا يوجد لهما أثرًا.
كل شيء فيك أكذوبة؛ لقب عائلتك الذي اندثر معك، كلماتك عن الصدق التي تلاشت في أكذوبتك، اسمك الذي قلت كمْ تحبه، وهو احتلال لاسم شخص قد توفي منذ زمن. ومع هذا، لا تهمني بشاعة حقيقتك. سؤالي: لماذا فعلت بي ما فعلت؟
بحثنا طويلًا، هل سُجنت؟ هل توفيت؟ هل كنت سياسيًا هاربًا؟ أم كنت خادعًا متزوجًا فهربت؟ كيف نجد الإجابة وبطاقتك مزيفة، ولا وجود لك بين البشر؟ قالوا ربما شبح، لكن هل يظهر الشبح في الصور؟
ظننتك غيثًا، فإذا بك برقٌ جرح قلبي. وظننتك نجمًا، فإذا بك نيزك حرق روحي. هل أكرهك؟ وكيف أكره من لا وجود له؟
قالوا جاسوسًا متخفيًا، وقالوا لصًا هاربًا من بلد أخرى، وقالوا نصابًا محترفًا. لا يهمني من تكون؛ يهمني لماذا تتبعتني إلى بيتي، ولماذا طلبت الدخول إلى قلبي؟ لماذا أنا؟
وضعت الرسالة في الكتاب الذي كنت تقول إنك لا تمل من قراءته كلما زرت المكتبة. لا أعلم إن كنت ستعود يومًا، لكنني تركتها حتى أتحرر من كل ذكرى تربطني بك، وأعاهدك ألا أتذكرك إلا في الحياة الأخرى لأقتص منك. كنت أريد أن أقول إن فيك درسًا مفيدًا، لكن حكايتك مثل دخان أسود يتلاشى في الهواء بلا أي فائدة تُذكر، غير اختناق الروح .
اختم رسالتي بأنك كابوس بلا نهاية، وهكذا سميتك سرابًا.”






المزيد
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق