كتبت: زينب إبراهيم
محمد بن تومرت:
من قبيلة مصمودة البربرية، ولكنه كان في الأصل من أحفاد العلويين الأدارسة الذين اندمجوا في البربر بعد سقوط دولتهم، فهو عربي الأصل، بربري النشأة، خرج طالبًا للعلم وتأثر بآراء بن حزم، ورحل إلى المشرق فلقي في بغداد أبا بكر الشاشي وأخذ عليه شيئًا من أًول الفقه وسمع الحديث على المبارك بن عبد الجبار، ثم عاد فمرَّ بالإسكندرية فحضر مجالس أبي بكر الطرطوشي، ثم ذهب إلى بلاد المغرب ومنها إلى أغمات، ولحق بالجبل وبدأ في دعوته[61].
أسس عبد الله محمد بن تومرت دعوته على أساس ديني قوامه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أساس قبلي وهو الصراع بين القبائل البربرية، قبيلة لمتونة (المرابطين)، وقبيلة هرغة من مصمودة (الموحدين)، واتخذ محمد بن تومرت حصن (تينملل) مقرًا له ولدعوته.
أما المرحلة الثانية لدولة الموحدين فكانت بقيادة عبد المؤمن بن علي 524- 543هـ والتي توجت بسقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين[62].
عبد المؤمن بن علي:
هو عبد المؤمن بن علي، سلطان المغرب، لقب بأمير المؤمنين، ذكر ابن العماد في شذرات الذهب أنه كان ملكًا عادلاً، سائسًا، عظيم الهيبة، عالي الهمة، متين الديانة، كثير المحاسن، قليل المِثل، وكان يقرأ كل يوم سُبُعًا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الْمُلْك كأنما خُلق له، ولكنه كان سفّاكا لدماء من خالفه[63]!!.
وذلك أمر غريب أن يجتمع التدين الظاهري مع سفك الدماء، ولكن هذه الدولة – دولة الموحدين – كانت دولة فاسدة العقيدة منذ مؤسسها ابن تومرت، ولم يصلح منها، ويسير على منهج الإسلام إلا أبا يعقوب يوسف المنصور بن عبد المؤمن هذا.
عاد مسلمو الأندلس يطلبون النجدة من الموحدين في شمال إفريقية كما طلبوها من قبل من المرابطين، فأرسل عبد المؤمن جيشًا سنة 539هـ فدخل الأندلس ولم يمض أكثر من خمس سنوات حتى صارت جميع بلاد المسلمين في الأندلس في يد الموحدين، ولكن الموحدين لم يفكروا في أن يجعلوا من الأندلس قاعدة لملكهم، بل أرسلوا نوابًا عنهم يحكمونها باسمهم، وبقيت قاعدة ملكهم مراكش[64].
تُوُفي الخليفة عبد المؤمن في 20من جُمَادى الآخرة 558هـ= 25مايو 1163م، وخَلَفَه ابنه أبو يعقوب يوسف.
أبو يعقوب يوسف المنصور:
يقول فيه يقول فيه ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان “وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ونظر في أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات”[65].
موقعة الأرك 591هـ
الأرك حصن على بعد عشرين كيلو مترًا إلى الشمال الغربي من قلعة رباح، على أحد فروع نهر وادي آنة، وهي نقطة الحدود بين قشتالة والأندلس، في حين تجهَّز ألفونسو الثامن ملك قشتالة للقاء الجيش الإسلامي وطلب العون من ملكي ليون وونبارة.
ونظم أبو يوسف يعقوب المنصور جيشه، ودارت المعركة وانتهى يوم الأرك بهزيمة النصارى على نحو مروع، وسقط منهم في القتال ثلاثون ألف قتيل، وغنم المسلمون معسكر الإسبان بجميع ما فيه من المتاع والمال، واقتحموا عقب الموقعة حصن الأرك، وقلعة رباح[66].
نتائج معركة الأرك:
ارتفاع الروح المعنوية لمسلمي الأندلس، وسقوط هيبة ملوك النصارى أمام مسلمي الأندلس.
كما جعلت ملوك النصارى يسارعون في عقد المعاهدات مع المسلمين، وإيقاف الحروب والإذعان للشروط التي يضعها الموحدون، وأيضًا من النتائج المهمة أن انصاعت بعض قبائل المغرب التي كانت تفكر في الثورة على الموحدين[67.
سياسة الموحدين:
إصلاحات المأمون
كان للقرارت التي اتخذها الخليفة إدريس المأمون تقويض للنظام السياسي الموحدي من أساسه، وأبرز هذه القرارات إنهاء سلطة الأشياخ حيث استهدف الخليفة أشياخ أهل التوحيد، وخاصة شيوخ تينمل وهنتاتة الذين عمل على تصفيتهم جسديا اتباعا لفتوى قاضي الجماعة أبو زيد المكادي حول مسألة البيعة ويذكر ابن خلدون وابن عذاري أنه قتل حوالي مئة شيخ بالعاصمة مراكش ويرفع صاحب الحلل الموشية العدد إلى 5000 شيخ.
كما قام المأمون بتحريم اسم المهدي من التسليط، وهو الدعوة إلى الصلاة باللغة الأمازيغية، بالإضافة إلى إزالة اسم المهدي من النقود.
بالإضافة لتنفيذ بنود الاتفاقية المبرمة بينه وبين فرناندو الثالث ملك قشتالة والتي تنص على السماح بتأسيس كنيسة مسيحية بمراكش العاصمة، وبيوت للفرقة العسكرية المسيحية وضمان حرية تنقل وتجمع المسيحيين المقيمين داخل المجال الموحدي.
سيطر الموحدون على أراضي المرابطين المغاربية والأندلسية بحلول عام 1147.
رفض الموحّدون العقيدة الإسلامية السائدة التي تثبت مكانة «أهل الذمة»، وهو وضع غير مسلم في بلد مسلم والذي يسمح له بممارسة دينه بشرط الخضوع للحكم الإسلامي ودفع ضريبة الجزية.
طرأ على معاملة اليهود تحت حكم الموحدين تغييراً جذرياً. فقبل حكم الموحدين خلال خلافة قرطبة، شهدت الثقافة اليهودية عصرها الذهبي.
زعمت ماريا روزا مينوكال، المتخصصة في الأدب الأيبيري في جامعة ييل أن «التسامح كان جانباً متأصلاً في المجتمع الأندلسي»، وأن الرعايا اليهود الذين يعيشون تحت حكم الخلافة الأمويَّة، رغم أنهم كان لديهم حقوق أقل من المسلمين، إلا أنهم ظلوا في وضع أفضل من وضعهم في أوروبا المسيحية. وهاجر الكثير من اليهود إلى الأندلس، حيث لم يتم التسامح معهم فحسب، بل سُمح لهم بممارسة عقيدتهم علانيةً. ومارس المسيحيون أيضًا دينهم بحرية نسبية في خلافة قرطبة، وعاش كل من اليهود والمسيحيين في المغرب أيضًا.
أول زعيم للموحدين، عبد المؤمن، سمح بفترة سماح أولية مدتها 7 أشهر. ثم أجبر معظم السكان الذميين الحضريين في المغرب، من اليهود والمسيحيين، على اعتناق الإسلام. وكان على أولئك الذين اعتنقوا الإسلام حديثاً ارتداء ملابس مُعرَّفة، لأنهم لم يُعتبروا مسلمين مخلصين.
ووفقاً للعديد من المؤرخين طرأ على معاملة المسيحيين في الأندلس والمغرب الكبير تحت حكم الموحدين تغييرًا جذريًا. حيث قُتل الكثير من المسيحيين، أو أُجبروا على التحول إلى الإسلام أو أُرغموا على الفرار تحت تهديد العنف.
وهرب بعض المسيحيين إلى الممالك المسيحية في الشمال والغرب وساعدوا في تأجيج الاسترداد.
كانت العديد من التحولات إلى الإسلام سطحية. وحثّ موسى بن ميمون اليهود على اختيار التحول السطحي إلى الإسلام بدلاً من الموت والشهادة، بحجة أن «المسلمين يعرفون جيداً أننا لا نعني ما نقوله، وأنَّ ما نقوله هو فقط الهروب من عقوبة الحاكم وإرضائه بهذا الاعتراف البسيط». أبراهام بن عزرا (1089-1164)، والذي فرَّ بنفسه من اضطهاد الموحدين، قام بتأليف أعمال ترثي تدمير العديد من المجتمعات اليهودية في جميع أنحاء الأندلس والمغرب الكبير تحت حكم الموحدين.
وفرّ الكثير من اليهود من المناطق التي يحكمها الموحدون إلى الأراضي المسيحية، وهرب آخرون، مثل عائلة ميمون، شرقًا إلى أراضي إسلامية أكثر تسامحًا، بينما قرر البعض البقاء للحفاظ على ممتلكاتهم، وكثير منهم تظاهروا بالتحول إلى الإسلام، مع الاستمرار في ممارساتهم الدينية بالسرية. وتم تسجيل حالات استشهاد الجماعي لليهود الذين رفضوا اعتناق الإسلام.
ومع ذلك، تم تسجيل وجود عدد قليل من التجار اليهود الذين كانوا لا يزالون يعملون في شمال أفريقيا.
تخلى إدريس المأمون، وهو خليفة موحدي حكم في الفترة ما بين 1229-1232 وفي أجزاء من المغرب، عن الكثير من ممارسات من سبقوه الموحدين، بما في ذلك تعريف ابن تومرت بأنه المهدي، وحرمان الذميين من حقوقهم.
سمح لليهود بممارسة دينهم علانية في مراكش، وسمح حتى للكنيسة المسيحية العمل هناك كجزء من تحالفه مع قشتالة. وفي أيبيريا انهار حكم الموحدين في عقد 1200، وخلفهم العديد من ملوك الطوائف، والذين سمحوا لليهود بممارسة دينهم علانية.
على الجانب الآخر، وفقا لماربيل فييرو يرى بعض الباحثين أن التحولات الإجبارية لليهود والمسيحيين في عهد الموحدين كانت قليلة التأثير، ويرى آخرون أن المسلمين أيضًا قد تأثروا بها، حيث أرغم جميع من كانوا تحت حكم الموحدين على اتباع فهمهم للدين.
بالإضافة إلى ذلك، يغلب على المصادر اليهودية التي تتحدث عن الاضطهاد الموحدي الغموض، وليس من الواضح تمامًا إن كانت التحولات قد تمت تحت التهديد بالقتل أو النفي، أو تحت تحفيز كبير فحسب.






المزيد
أبطال الروايات الذين يشبهوننا
كأس العالم 2026.. هل يمكن حقاً فصل السياسة عن الرياضة؟
الحضارة الرومانية: حين انتصرت القوة على العالم وخسرت معركتها مع الزمن