بقلم/ داليا فرج الطواب
نمرّ في الشوارع كلَّ يوم، نتأمّل واجهات البيوت المتراصّة، نوافذها المضيئة وستائرها المنسدلة، لكننا نادرًا ما نتوقف لنتفكّر في حجم الحكايات التي تختبئ خلف تلك الجدران. فالبيوت في جوهرها ليست مجرّد كتل من الإسمنت والحجر، ولا مساحات هندسية نؤسسها بما ارتفع ثمنه من الأثاث، بل هي كائنات حيّة تتنفّس بأصحابها، وتختزن في زواياها تفاصيل لا يعرفها العابرون. فكل بيت، مهما بدا بسيطًا أو فخمًا، هو صندوق مغلق على رواية لم تُكتب بعد، بطلها إنسان يواجه الحياة بطريقته الخاصة.
وراء كل باب حكاية فريدة؛ فهناك بيت يضجّ بضحكات الأطفال التي تمحو تعب النهار، وآخر يسكنه صمت الفقد، لا يكسره سوى دعاء خافت في جوف الليل. هناك مطابخ تفوح منها رائحة الألفة والخبز الطازج، فتلمّ شمل العائلة، وفي المقابل غرف موصدة يختبئ في أركانها قلق المستقبل وصراعات النفس التي لا تُقال جهرًا. جدران بيوتنا هي الشاهد الصامت على انكساراتنا التي لا يراها أحد، وعلى نجاحاتنا الصغيرة التي لا يصفّق لها جمهور، وعلى تلك اللحظات العفوية التي نصوغ فيها هويتنا الحقيقية بعيدًا عن صخب العالم الخارجي.
إن إدراكنا أن «كل بيت وراءه حكاية» يجعلنا أكثر رفقًا وإنسانية في تعاملنا مع الآخرين. فعندما نلتقي جارًا بوجه متعب، أو زميلًا شارد الذهن، علينا أن نتذكّر أننا لا نرى سوى القشرة الخارجية من حياته، بينما يترك هو خلف بابه فصولًا كاملة من التحديات والمكابدات، أو ربما الأحلام المؤجّلة. هذه الحكايات هي التي تمنح البيوت روحها، وهي التي تحوّل المسكن إلى وطن؛ فالوطن ليس المكان الذي ننام فيه فحسب، بل المكان الذي تأمن فيه حكاياتنا من الضياع، حيث تُحفَظ تفاصيلنا الصغيرة في ذاكرة الجدران وملمس الأرضيات.
في النهاية، لسنا نحن من نسكن البيوت، بل هي التي تسكننا. تظلّ حكايات بيوتنا البوصلة التي تشكّل وعينا وتحدّد رؤيتنا للعالم. فاحترموا قدسية تلك الحكايات، واعلموا أن خلف كل نافذة مطفأة أو مضاءة قلبًا ينبض بآمال وآلام، يجعل من قصته جزءًا لا يتجزأ من الحكاية الإنسانية الكبرى. فالبيوت أسرار، وأجمل ما في تلك الأسرار أنها تصنع منا ما نحن عليه الآن.






المزيد
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي
العُمر يُقاس بالسنين.. أما العقل فيُقاس بالوعي