حين يُعيد الزمن طرح السؤال
الكاتب /عمرو سمير شعيب
لا يدخل العام الجديد بوصفه حدثًا زمنيًا بقدر ما يظهر كإشكال فلسفي متجدّد؛
إشكال العلاقة بين الإنسان والزمن، بين الوهم الذي نعلّقه على البدايات، والحقيقة التي نؤجّل مواجهتها.
نميل إلى الاعتقاد بأن تغيّر الأرقام يحمل في ذاته قدرة سحرية على التحوّل، وكأن الزمن كيان أخلاقي يمنح الفرص أو يسحبها. غير أن العام الجديد لا يفعل شيئًا سوى إعادة ترتيب المشهد ذاته: الإنسان كما هو، بأسئلته القديمة، وتردده المزمن، وآماله التي لم تُختبر بما يكفي من الشجاعة.
من منظور فلسفي، لا يمثل العام الجديد قطيعة مع الماضي، بل امتدادًا له بصيغة أخرى. فالزمن لا ينقسم في التجربة الإنسانية إلى فصول منفصلة، بل إلى وعي متصل؛ وما لم يتغير هذا الوعي، تبقى السنوات مجرد وحدات حسابية لا تمسّ جوهر الوجود. نحن لا نبدأ من الصفر، لأن الصفر ذاته وهم، وإنما نكمل من حيث توقفنا عن الفهم.
الرهان الحقيقي في كل عام جديد ليس التخطيط، بل إعادة النظر. ليس السؤال عمّا نريد إنجازه، بل عمّا نحن مستعدون للتخلي عنه. فالتقدّم لا يحدث دائمًا عبر الإضافة، بل كثيرًا ما يبدأ عبر النقصان: نقص الأوهام، نقص التبريرات، ونقص ذلك الإصرار غير الواعي على تكرار الذات باسم الاستقرار.
الزمن لا يغيّر الإنسان، بل يكشفه. وكل عام يمرّ يزيل طبقة إضافية من الأقنعة التي صنعناها لنتعايش مع أنفسنا. لذلك، يبدو العام الجديد أقل وعدًا بالمستقبل، وأكثر مساءلة للماضي: ماذا فهمنا؟ ماذا تجاهلنا؟ وأيّ نسخة من ذواتنا نصرّ على حملها معنا رغم ثقلها؟
في هذا المعنى، يصبح العام الجديد لحظة أنطولوجية لا احتفالية؛ لحظة نختبر فيها قدرتنا على العيش بوعي أعلى، لا بعمر أطول. فالقيمة لا تُقاس بعدد السنوات التي نقطعها، بل بمدى تغيّر نظرتنا ونحن نعبرها.
إنه ليس عامًا جديدًا حقًا،
ما لم نكن نحن السؤال الجديد داخله.






المزيد
حين يهدأ كل شيء إلا قلبك بقلم الكاتب هانى الميهى
حين تُضيء الأرواح المكسورة وتتعلم أن تُزهر من بين شقوقها بصمتٍ يشبه المعجزات بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
في ليلةٍ يُفترض أن تُطفأ فيها الشموع، لا أن تُشعل ذاكرة الوحدة بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر