كتبته: الإعلامية سبأ الجاسم الحوري
في زمنٍ امتلأت فيه الجدران بالصمت، وعمّت أروقة الحياة قسوة غريبة، يبدو أن الإنسان، رغم كل وسائل الاتصال، بات أكثر بعدًا عن ذاته وعن الآخرين. كيف للروح أن تنفصل عن الروح بهذا الهدوء الصاخب؟ وكيف تمضي الأيام ونحن نسير بأجساد متعبة وأرواح معلقة على حافة اللامبالاة؟
إنها ليست التكنولوجيا التي تبعدنا عن بعضنا، بل هي قلوبنا التي بدأت تتحجر وتغلق نوافذها في وجه الدفء الإنساني. فبينما كنا نظن أن التطور سيقرّبنا، نسينا أن المسافات الحقيقية تقاس بما نحمله من مشاعر وما نعطيه من وقت لبعضنا البعض.
أصبحنا كالنجوم في سماء واحدة، نرى بعضنا البعض من بعيد ولكن لا نقترب أبدًا. تحوم مشاعرنا حول بعضها كالغرباء، نخشى الانفتاح خشية الفقد، نخشى الحب خشية الألم، حتى تحولت حياتنا إلى لعبة من الابتعاد المدروس.
أين ذهبت الأحاديث العميقة التي كانت تسكن الليل؟ أين تلك اللمسات الصغيرة التي كانت تعيد الدفء إلى أرواحنا؟ صارت الأيام تتوالى بسرعة، ونحن نتراجع، ننغلق على أنفسنا خلف الشاشات الزجاجية، نراقب من بعيد، نرسل كلمات قليلة عبر الرسائل النصية، ونتظاهر بأننا بخير.
الانفصال العاطفي بين الناس لم يكن وليد التكنولوجيا وحدها، بل هو انعكاس لشيء أعمق؛ هو خوفنا من الاقتراب، من الاحتراق بنيران المشاعر، من مواجهة ضعفنا واحتياجاتنا. نحن نخشى أن ننكسر، فنفضل العيش في قوقعة الوحدة المريحة، حيث لا يُطلب منا الكثير ولا نطلب الكثير.
ولكن هل نسينا أن الحياة لا تُعاش إلا بالمشاركة؟ أن النور الحقيقي ينبع من اجتماع الأرواح؟ كلما ابتعدنا، كلما أطفأنا شمعة كانت قادرة على إنارة طريقنا. ربما حان الوقت لنعود إلى أنفسنا، لنفتح قلوبنا، ونعيد بناء تلك الجسور التي كنا نعتقد أنها انهارت.
نحن بحاجة إلى أن نتعلم مرة أخرى كيف نكون قريبين. كيف نعطي من وقتنا، من مشاعرنا، من دفء أرواحنا.
لأننا في النهاية، لسنا سوى كائنات تبحث عن الحب، عن القرب، عن الحنان الذي يذيب تلك الجدران القاسية التي بنيناها بأنفسنا.






المزيد
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق
متاهة الحب