بقلم: محمد خطاب
في زحام هذا العالم المزدحم بالصخب، وفي زمنٍ تُقاس فيه المشاعر بالأرقام، وتُوزن فيه العلاقات بمكاسبٍ وخسائر، يصبح القلب شيئًا أشبه بالأرض المحروقة… لا يُزرع فيها الود، ولا ينبت فيها الأمل، فقط بقايا رماد من حكايات لم تكتمل، ووعودٍ هزيلة ماتت قبل أن تولد.
كم مرةً وثقنا بقلوبٍ ظنناها مأوى، فإذا بها تفتح لنا الأبواب لتلقي بنا في العراء؟
كم مرةً ظننا أن الحديث سيطيل من عمر العلاقة، فإذا بالصمت يُصبح سيد الموقف، والبعد لغةً لا تحتاج إلى ترجمة؟
نُعطي بكل ما فينا، نُجاهد في الحب، نُقاتل لنُبقيهم في حياتنا، لكنهم… يرحلون. دائمًا يرحلون.
الحزن لا يحتاج إلى صوتٍ عالٍ كي يُعلن حضوره، يكفيه أن يسكن التفاصيل الصغيرة:
في كوب قهوة فقد نكهته لأن أحدهم لم يعد يجلس معنا
في مقعدٍ فارغٍ في الغرفة كان يومًا يمتلئ بالضحك
في هاتفٍ صامت لا يرنّ رغم انتظارنا لرسالة لا تأتي
إن الوحدة لا تكمن في غياب الناس، بل في شعورك بأنك محاطٌ بألف وجه، لكنّ أحدًا لا يرى داخلك، لا يسمع صراخك الصامت، لا يلاحظ عيناك التي تجيد الكذب بابتسامة مجروحة.
وهل تعرف ما هو أكثر ألمًا من الفقد؟
أن تفتقد نفسك، أن تنظر في المرآة فلا ترى سوى شخصٍ يشبهك في الملامح، لكنه غريبٌ تمامًا عنك… هشّ، حائر، مثقل بالخذلان.
قد يُقال إن الألم يصنع منا أقوياء، لكن الحقيقة أننا فقط نتظاهر بالقوة كي لا ينهشنا العالم. نحن لا نتجاوز، بل نُخفي، ندفن، نبتسم بمرارة، ونقول: “كل شيء بخير”… رغم أن كل شيء في الداخل محطم.
لا عيب في الحزن. لا خطيئة في البكاء. فبعض القلوب تحتاج أن تبكي كي لا تموت، تحتاج أن تنهار لحظة، كي تقف بعدها ولو بعكاز الذكرى.
لكن، حتى في أقصى لحظات الانكسار، لعلّ في هذا الحزن معنى، ولعلّ في كل ما نحياه درسًا… وربما يكون القلب المهجور اليوم، هو ذاتُه الذي سيزهر غدًا حين يسكنه من يستحق.






المزيد
نظام الطيبات على الميزان
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة