مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين وجدتُني قصة قصيرة بقلم الكاتب الاستاذ عمر علي نصير

حين وجدتُني

قصة قصيرة
للكاتب الاستاذ عمر علي نصير

كنتُ أسير في الشارع دون وجهة، لا مستعجلاً ولا مرتاحاً — ذلك النوع من المشي الذي يفعله الإنسان حين يزدحم الرأس ولا تتسع له الجدران.

مررتُ أمام محلٍّ أُغلق من زمن، فلاحَ وجهي في واجهته الزجاجية. توقفتُ. نظرتُ. ثم نظرتُ مرةً أخرى — كأنني أرى رجلاً أعرف اسمه لكنني نسيتُ طريقة حديثه. بدا مألوفاً وغريباً في آنٍ واحد، كبيت عشتَ فيه طويلاً ثم عدتَ إليه بعد غياب فوجدتَ أثاثه في مكانه لكن روحه تغيَّرت.


جلستُ على الرصيف دون أن أقرر. أخرجتُ هاتفي تلقائياً ثم أعدتُه إلى جيبي. لم يكن لدي ما أريد رؤيته. كنتُ أريد ألَّا أرى شيئاً لفترة.

الشارع مزدحم وهادئ في نفس الوقت، بتلك الطريقة التي تكون فيها وسط الضجيج وحيداً تماماً. أصوات سيارات في الخلفية، وبائع ينادي، وأشخاص يمرون كأن لكل واحد منهم موعداً لا يحتمل التأخير.

وأنا كان موعدي مع نفسي. وكنتُ قد تأخرتُ كثيراً.


جاءني فجأة ذلك الصبي الذي كنتُه — يفرح بأشياء لا تستحق عند الكبار حتى التوقف. نزهة قصيرة، كتاب جديد، وعد برحلة قد لا تأتي. كان يصدق أن كل شيء ممكن، وكان هذا التصديق وحده يكفيه.

متى أصبحتُ أكثر حذراً مما ينبغي؟ ومن أقنعني أن الحذر فضيلة لا جبن يرتدي ثياب العقل؟


ناولني بائع الشاي كوباً دون أن أطلب وقال:

— يبدو أنك مرهق اليوم.

ضحكتُ ضحكة خرجت قبل أن أمنعها:

— أحمل نفسي. وهي أثقل مما اعتقدت.

أومأ كمن سمع هذه الإجابة من أناس كثيرين وعرف أنه لا جواب يُجدي، وانصرف إلى عمله وترك الكلام يجلس بيننا وحده.


شربتُ الشاي ببطء. كان ساخناً فأعادني إلى اللحظة قسراً، بعيداً عن الأمس والغد. كنتُ هنا فقط — على هذا الرصيف، في هذا الضوء المائل، وبين يديَّ دفء صغير طالما تجاهلتُه وأنا أبحث عن سعادة أضخم وأبعد.

الإنسان لا يضيع من نفسه فجأة. يبتعد عنها خطوةً خطوة في هدوء تام، حتى يلتفت يوماً فلا يجد خلفه أثراً لمن كان.


قمتُ وأكملتُ طريقي.

لم يتغير الشارع ولم تُحل مشكلاتي، لكن شيئاً ما عاد إلى مكانه في صدري — كدُرجٍ كان مفتوحاً من غير سبب وأغلقتَه أخيراً.

ومشيتُ. وهذه المرة كانت القدمان تعرفان إلى أين تذهبان.

كانتا تعودان إليَّ.