مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تُطالب الكلمات بثمنٍ من روحك” “بقلم د.أمجد حسن الحاج” 

“حين تُطالب الكلمات بثمنٍ من روحك”

“بقلم د.أمجد حسن الحاج”

 

في زاويةٍ بعيدة من الذاكرة يقف إنسان يحاول أن ينجو من ثقلٍ لم يختره، يمدّ ذراعيه نحو ما يظنّه خلاصًا، فإذا بالصفحات تتشابك حوله كأنها تُطالب بنسخةٍ أخرى من روحه. هناك لحظة يصبح فيها التعبير عبئًا، والبحث عن صوتٍ صادق معركةً لا تهدأ، إذ تتكاثر الأفكار حوله كأوراقٍ نافرة تحمل في داخلها مطالب لا تنتهي. وكلما حاول أن يقاوم، ازدادت المسافة بين ما يريد قوله وما يستطيع احتماله.

 

أحيانًا يشعر بأن الكلمات لا تكتفي بأن تُكتب، بل تُطالب بثمنٍ من صاحبها، وكأن كل جملةٍ تستخلص جزءًا من كيانه لتستقيم في موضعها. ينهض محاصرًا بمشاعر متداخلة، تتوزع بين رغبةٍ في التحرر وإصرارٍ على البقاء واقفًا رغم ضغطٍ يشبه أعباء الأعوام.

 

ومع ذلك، يظل الإبداع نافذةً تنقذه من الانطفاء. فكل ما يتساقط من حوله ليس سقوطًا، بل تنقية تُعيد تشكيل الوعي. وكل ما يفقده خلال محاولته التعبير عن ذاته يتحول إلى نورٍ خافت يدله على طريقٍ لم يكتشفه بعد. إن الإنسان الذي يحمل أحلامه فوق كتفيه، ويبذل جهده ليحافظ على نقاء صوته وسط الضوضاء، لا ينهزم، بل يتعلم كيف ينساب من بين القيود دون أن يتخلى عن ذاته.

 

وفي النهاية يدرك أنّ ما ظنه عبئًا كان في الحقيقة دليلًا على أنه حيّ، وأنّ قدرته على الصمود أمام التشوّش حوله هي التي تمنحه القوة، وتجعل كل صفحةٍ جديدة فرصةً لتجميع ما تبعثر منه، لا استمرارًا للضياع.

 

هكذا يخرج من ضيق اللحظة، يحمل وعيًا أنضج وروحًا أشجع، يمضي بثبات، ويترك خلفه كل ما أثقله، ليبدأ كتابة فصلٍ آخر لا يأخذ منه شيئًا، بل يعطيه اتساعًا أعمق للحياة.