الكاتب/ عمرو سمير شعيب
الحياة لا تُقدَّم لنا بوصفها مسارًا واضحًا أو وعدًا بالطمأنينة، بل تُلقى في أيدينا كمسألة فلسفية مفتوحة، تُختبر لا تُحل، وكمعنى يتشكّل بالتجربة لا بالتلقّي. وكل ما نعيشه فيها يبدو في لحظته محضَ حدثٍ عابر، أو ألمٍ مؤقّت، أو فرحٍ هشّ، لكن الزمن وحده يمنح الأشياء عمقها الأخلاقي والفكري، ويحوّل الوقائع إلى دروس، ويجعل من التجربة نصًّا لا يُقرأ إلا بعد أن نبتعد عنه قليلًا.
فالتحدّيات ليست عثراتٍ في الطريق، بل هي الطريق ذاته، والفرص لا تأتي غالبًا في هيئة هدايا، بل في صورة أزمات تتخفّى خلف القلق والارتباك والشك. والإنسان لا يُقاس بقدر ما يتجنّب الصعوبات، بل بقدرته على الوقوف داخلها دون أن يفقد نفسه، وعلى التفكير وهو يتألّم، وعلى إعادة ترتيب معناه الداخلي بينما كل ما حوله ينهار أو يتغيّر.
فالأخطاء التي نرتكبها ليست شقوقًا في شخصيتنا بقدر ما هي فتحات نطلّ منها على محدوديتنا، ونتعلّم عبرها التواضع أمام الذات، والحذر من اليقين، والقدرة على المراجعة. ومن لا يخطئ لا يتعلّم، ومن لا يتعلّم يظلّ سجين صورة مثالية عن نفسه لا تصمد أمام أوّل اختبار حقيقي.
والتمسّك بالقيم الداخلية ليس ترفًا أخلاقيًا ولا شعارًا إنسانيًا، بل هو الفعل الأكثر جذرية في عالم متقلّب؛ لأن القيم هي ما يبقى حين تتبدّل الظروف، وهي ما يوجّه الاختيار حين تتساوى الطرق، وهي ما يمنح الألم معنى بدل أن يتركه عبثًا بلا تفسير.
والقوّة هنا لا تعني الصلابة العمياء، ولا القدرة على الاحتمال فقط، بل تعني المرونة الواعية: القدرة على الانكسار دون التشظّي، وعلى إعادة البناء دون إنكار ما تحطّم، وعلى الاعتراف بالهشاشة بوصفها جزءًا من التكوين الإنساني لا نقيضًا له.
فليس المهم أن تسير الحياة بلا مشاكل، لأن ذلك مستحيل أصلًا، بل المهم أن نمتلك شجاعة التعامل مع مشاكلنا كخبرات لا كأحكام نهائية، وأن نرى في كل مأزق إمكانية خفيّة لإعادة تعريف أنفسنا وتوسيع فهمنا للعالم والآخرين، وأن نتحوّل من كائنات تبحث عن النجاة فقط إلى ذوات قادرة على الفهم.
لأن النمو الحقيقي لا يحدث حين تسير الأمور على ما يرام، بل حين نُجبَر على التفكير بعمق أكبر في معنى ما يحدث لنا، وحين نتعلّم ببطء كيف نحمل أعباءنا دون أن نسمح لها بأن تُفرغنا من إنسانيتنا. وهكذا تصبح الحياة ليست ساحة صراع ضد الألم، بل مختبرًا دائمًا لتكوين المعنى، واختبار القيم، وصقل الشخصية؛ حيث لا نخرج منها منتصرين بالمعنى التقليدي، بل أكثر وعيًا، وأكثر اتساعًا، وأكثر قدرة على أن نكون أنفسنا… رغم كل شيء.






المزيد
الحكمة ثم العلم
إرث الوعي الصامت: ماذا نترك في حقائب صغارنا النفسية؟
كيفية التعامل مع “ألم الروح” والإسعاف النفسي الأولي