مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم هانى الميهى

من أين تُقاد؟
كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر

الكاتب هانى الميهى

الفصل الرابع: الإنسان الذي لا يتوقف

لم يعد الإنسان في عصرنا
يخاف التوقف لأنه سيتأخر فقط…

بل لأنه لم يعد يعرف
كيف يعيش دون حركة مستمرة.


في السابق،
كان التعب نتيجة للحياة.

أما الآن،
فأصبح أسلوب حياة كامل.


كل شيء يتحرك بسرعة مخيفة.

الأخبار،
الأسواق،
العلاقات،
الترندات،
الأفكار،
وحتى البشر أنفسهم…

كأن العالم كله
دخل سباقًا لا يملك أحدٌ فيه
حق الوقوف لالتقاط أنفاسه.


والأخطر،
أننا لم نعد نُجبر على ذلك بالقوة،

بل أصبحنا نخاف الراحة من تلقاء أنفسنا.


إذا جلست قليلًا،
شعرت بالذنب.

إذا ابتعدت عن الهاتف،
شعرت أنك تفوّت شيئًا مهمًا.

إذا هدأت يومًا،
هاجمك شعور خفي
أن العالم يسبقك.


وهنا تغيّر شكل الإنسان بهدوء.

لم يعد يعيش حياته…
بل يديرها كأنها مشروع دائم التطوير.


يجب أن يتحسن باستمرار،
ويتعلم أكثر،
وينتج أكثر،
ويظهر أكثر،
ويحقق أكثر،
ويواكب كل شيء…

وإلا شعر داخليًا
أنه يتراجع.


حتى الراحة نفسها،
لم تعد راحة حقيقية.

أصبحت محتوى،
ونصائح،
وطرقًا “لاستعادة الطاقة”
حتى تستطيع العودة للعمل بشكل أفضل.


وكأن الإنسان
لم يعد يملك حق أن يكون فقط…

بل يجب دائمًا
أن يصبح شيئًا آخر.


في هذا العصر،
أصبح الهدوء يُشبه الكسل،
والبطء يبدو كفشل،
والاختفاء المؤقت
كأنه خسارة للمكانة.


ولهذا،
أصبح كثير من الناس
مرهقين دون سبب واضح.

ليس لأن حياتهم الأصعب في التاريخ،
بل لأن عقولهم
لم تعد تحصل على لحظة صمت حقيقية.


حتى المقارنة تغيّرت.

في الماضي،
كنت تقارن نفسك بمن حولك فقط.

أما الآن،
فأنت ترى ملايين البشر يوميًا،

وترى أفضل لحظاتهم،
وأجمل صورهم،
وأكبر إنجازاتهم…

ثم تعود لحياتك العادية،
فتشعر دون وعي
أنك أقل مما يجب.


وهنا تبدأ المشكلة الحديثة فعلًا.

لم يعد الاحتياج فقط
إلى الحب أو المال أو التقدير…

بل إلى الشعور
أنك ما زلت “مواكبًا”.


وهذا أخطر أنواع الاستنزاف،

لأن النهاية غير موجودة أصلًا.


كلما وصلت لشيء،
ظهر شيء أحدث.

كلما فهمت فكرة،
خرجت عشرات الأفكار بعدها.

كلما هدأت قليلًا،
أعادك العالم إلى الدوامة
مرة أخرى.


ولهذا،
أصبح الإنسان الحديث
ممتلئًا بالمعلومات…
وفقيرًا في الطمأنينة.


يعرف الكثير،
ويرى الكثير،
ويتابع كل شيء،

لكنه بالكاد
يسمع نفسه.


ومع الوقت،
يتحول التشتت
إلى طريقة حياة.

يفقد الإنسان قدرته
على التركيز العميق،
والشعور العميق،
وحتى العلاقات العميقة.

كل شيء أصبح سريعًا…
حتى المشاعر.


وهنا تظهر مفارقة مؤلمة جدًا:

العالم صار أكثر اتصالًا من أي وقت،

لكن الإنسان نفسه
أصبح أكثر وحدة.


لأن كثرة الاتصال
لا تعني القرب،
وكثرة الظهور
لا تعني أن أحدًا يراك فعلًا.


ولهذا،
فإن أخطر ما فعلته السرعة الحديثة بنا،

أنها جعلتنا نعيش
في حالة استهلاك دائم للحياة،

بدل أن نعيشها فعلًا.


نمرّ على الأيام بسرعة،
وعلى الناس بسرعة،
وعلى أنفسنا أيضًا…

دون أن نتوقف بما يكفي
لنسأل:

هل نحن أحياء حقًا…
أم فقط نواكب؟


وربما لهذا،
أصبح الهدوء اليوم
نوعًا نادرًا من المقاومة.


رسالة الفصل:

في عصر السرعة المستمرة، قد يفقد الإنسان نفسه وهو يحاول فقط أن يظل مواكبًا لكل شيء.

تمهيد الفصل القادم:

لكن وسط هذا الضجيج كله…
يبقى الخوف الأعمق،
هو أن يشعر الإنسان يومًا
أنه مهما فعل…
فلن يكون كافيًا.