مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تتحول الثقافة إلى مجاملة

حين تتحول الثقافة إلى مجاملة

 

أزمة القيمة في المشهد الأدبي العربي

بقلم خيرة عبدالكريم

 

لم يعد المشهد الثقافي في كثير من البلدان العربية مرآة صادقة للإبداع الحقيقي بقدر ما أصبح، في بعض جوانبه، ساحةً للمجاملات وتبادل المصالح والاعتبارات الاجتماعية. تتكرر مشاهد امتلاء القاعات، والتصفيق الحار، وحفلات التوقيع التي تبدو ناجحة في ظاهرها، لكنها في عمقها تطرح أسئلة مقلقة حول معيار القيمة: هل نحتفي بالنص أم بصاحبه؟ بالإبداع أم بالاسم والعائلة؟

ما يثير الانتباه هو أن بعض الفعاليات الثقافية تُبنى على هالة اجتماعية أكثر من كونها تستند إلى جودة العمل الأدبي نفسه. قد تكون الكاتبة أو الكاتب عادياً في تجربته، لم يقدّم ما يبرر كل هذا الاحتفاء، ومع ذلك يحاط بهالة من التبجيل بسبب انتمائه العائلي أو علاقاته أو حضوره الاجتماعي. في مثل هذه اللحظات، تتحول الثقافة من فضاء نقدي حر إلى مسرح للمجاملة، ويصبح المثقف، بدل أن يكون ضميراً ناقداً، جزءاً من هذا التواطؤ الصامت.

إن أخطر ما في هذا السلوك ليس فقط تضخيم أسماء على حساب أخرى، بل إضعاف الثقة في الفعل الثقافي نفسه. حين يرى المتلقي أن التصفيق لا يعكس جودة النص، بل شبكة العلاقات، فإنه يفقد تدريجياً إيمانه بالمشهد الثقافي ككل. كما أن الكاتب الجاد، الذي يشتغل بصمت ويطوّر أدواته، يجد نفسه مهمشاً أمام ضجيج لا علاقة له بالإبداع.

المثقف الحقيقي لا يقاس بحضوره في القاعات ولا بعدد التوقيعات، بل بقدرته على قول الحقيقة، حتى وإن كانت غير مريحة. فالتصفيق المجامل قد يرفع لحظةً من قيمة شخص، لكنه يساهم على المدى الطويل في تآكل قيمة الثقافة نفسها. النقد الصادق، حتى لو كان قاسياً، هو ما يصنع أدباً حقيقياً ويمنح للمشهد الثقافي مصداقيته.

إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الفعاليات، بل إلى مراجعة عميقة لآليات التقييم والاحتفاء. يجب أن نعيد الاعتبار للنص، للمعنى، للجهد الإبداعي، بعيداً عن الأسماء والوجوه. فالثقافة التي تُبنى على المجاملة لا تنتج إلا وهماً، أما الثقافة التي تُبنى على الصدق فتخلق أثراً يمتد ويتجذر.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نملك الشجاعة لنفصل بين العلاقات الشخصية والحكم الثقافي؟ أم سنظل نكرر نفس المشهد، حيث تُصفق القاعات، بينما يغيب الإبداع الحقيقي في الظل؟