حوار لا يسمعه أحد بقلم فتحي عبد الحميد
حين يهدأ الضجيج من حولي،
وتنطفئ الأصوات التي تعودت أن أختبئ خلفها،
أجدني وجها لوجه مع نفسي.
لا شهود، لا أقنعة، ولا مهرب من الصدق.
هو حوار لا يسمعه أحد،
لكنني أخرج منه إما أخف،
أو أكثر حملا.
وهنا… بدأت …..
قالت لي:
أما تعبت من حمل الأمس على كتفيك،
ومن محاكمة نفسك كلما أغمضت عينيك؟
أما آن لك أن تكف عن جلد ذاتك،
وقد دفعت ثمن ثقتك؟
فقلت لها:
تعبت، نعم،
لكن التعب صار بعضي،
وصار الندم مرآتي
كلما حاولت أن أصدق أنني تجاوزت.
لم أخطئ لأنني شرير،
بل لأنني كنت طيبا أكثر مما ينبغي.
مددت قلبي بلا حذر،
فتعلمت متأخرا
أن القلوب لا تقترض بلا فائدة.
قالت لي:
ولماذا لا تسامح نفسك؟
ألم تكن تسير بما عرفت، لا بما خفي عنك؟
ألم تكن ترى الطريق
كما أضاءه لك وهمك؟
فقلت لها:
أحاول،
لكن في داخلي شاهد لا ينام،
يذكرني بكل مرة صمت فيها عن الكلام،
وبكل مرة وثقت وكان يجب أن أنتظر،
وبكل مرة تنازلت عن حق
خوفا من خسارة من لا يستحق.
قالت لي:
وماذا بقي لك الآن غير هذا العتاب؟
هل ستقيم في الأطلال،
أم ستبني من الدرس جسرا نحو قمم الجبال؟
فقلت لها:
بقي لي الرضا،
لا ذاك الرضا المستسلم،
بل الرضا الذي يشبه الوقوف بعد السقوط،
متعلما.
أرتب جراحي،
وأعد خطواتي،
وأتعلم أن الثقة العمياء ليست وفاء،
وأن حسن النية وحده لا يحمي صاحبه،
كما أن القانون لا يحمي الأغبياء.
قالت لي:
وهل لا يزال في الغد ما يستحق؟
فقلت لها:
نعم،
في الغد مساحة أوسع للوعي،
وفيه وعد صامت
أن أعوض نفسي عما فاتها،
لا بالانتقام،
بل بالاختيار الأفضل،
لا بالندم،
بل بالفهم،
ولا بالهروب،
بل بشجاعة المواجهة.
قالت لي:
إذن امض،
خفف عن كاهلك،
واحمل من الأمس حكمته لا ثقله،
واجعل من كبواتك علاماتك نحو العلى.
فقلت لها:
سأمضي،
وقد صالحت نفسي
لا لأنها بريئة،
بل لأنها تألمت،
فتعلمت.
ومن يتعلم،
يستحق فرصة أخرى للحياة،
ونظرة أصدق،
وغدا أقل قسوة.
لكنني،
وأنا أستدير للغد،
لا أزعم أن الطريق صار آمنا،
ولا أن القلب صار أصلب من أن ينكسر.
كل ما أعرفه
أنني لن أعود كما كنت،
وأنني إن سقطت مرة أخرى
سأعرف كيف أنهض أسرع،
وكيف أختار معاركي بوعي،
وأمضي فيها بإصرار.
ويبقى السؤال معلقا في صدري،
لا يطلب جوابا عاجلا:
هل كان كل ما مضى ثمنا قاسيا،
أم كان التدريب الأول
على نجاح لم يعلن عن موعده بعد؟
……………..
بقلمى / فتحي عبدالحميد






جميلة جدا