كتبت: هاجر حسن
في صباحٍ مشرق، مع أول خيوط أشعة الشمس التي تتسلل بين أوراق الأشجار، بدأت الطيور يومها بتغريدات مرحة.
قال الهدهد: “ما أجمل يوم الجمعة، وصوت القرآن العذب يتلو سورة الكهف، يطرب الأذان ويغمر القلوب بالسكينة.”
رد العصفور الكناري الصغير بحماس: “نعم، إنه أحب الأيام إلى قلبي، لكني أتساءل: ما هي قصة أصحاب الكهف التي سُميت بها السورة؟”
ابتسم الهدهد وقال: “سأقص عليك قصتهم باختصار.”
يحكى أنه في زمن بعيد، في العصور الرومانية، كانت هناك مدينة تُدعى “أفسوس”، يحكمها الأمبراطور “دقيانوس”، الذي كان يعبد الأصنام ويتخذها آلهة له من دون الله. لم يكن أحدًا يعصي له أمرًا، فقد تبعه الجميع كقطيع من الخراف يسير خلف الراعي دون تفكير.
في وسط هذه المدينة، كان هناك مجموعة من الفتية في مقتبل العمر، وبالرغم أنهم نشأوا على عبادة الأوثان، إلا أن قلوبهم لم تطمئن لهذه العبادات.
ولأن الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، اجتمع هؤلاء الفتيه على الإيمان وتركوا دين الملك. ويُقال إنهم التقوا برجل صالح أخبرهم عن الله ودين سيدنا عيسى عليه السلام.
فمالت قلوبهم للدين الحق وقرروا الهروب من بطش الملك إلى مكان منعزل ليعبدوا الله بحرية. فقد علموا أن قومهم لن يرحموهم إذا اكتشفوا إيمانهم وتركهم لدين أبائهم.
صاح الكناري: ” يالهم من فتية شجعان! أكمل من فضلك، ماذا حدث لهم؟ هل تمكنوا من الهرب؟”
أجاب الهدهد: “نعم، لقد استطاع الفتيه الهروب بدينهم، وتركوا خلفهم أهلهم وبيوتهم وأموالهم، هربًا بدينهم. يقال أنهم كانوا سبعة أو ثمانية ومعهم كلبهم الأمين. لجأوا إلى كهف بابه يتجه نحو الشمال، وأعماقه تتجه نحو القبلة. الشمس تزوره في الصباح وفي المساء. فتجدد الهواء فيه، وهذا من حكمة الله.”
تابع الهدهد والطيور منصتة بعناية: “دخل الفتية الكهف، وجلس كلبهم عند بابه يراقبهم، لم يدخل معهم، وهذا من حكمة الله، فالملائكة لا تدخل مكانًا به كلب، والله أرسل الملائكة تحرسهم وتقلبهم في نومهم.”
أنامهم الله في الكهف فترة طويلة، كما أخبرنا القرآن في السورة، مدة 309 سنوات بالتقويم القمري. كانت الملائكة تقلبهم يمينا ويسارًا، لتظل أجسادهم سليمة.
قال الكناري باندهاش: “هل ظلوا نائمين طوال هذه المدة دون طعام أو شراب؟”
أجاب الهدهد: “نعم أنامهم الله طوال هذه المدة ليحميهم من فتن الملك ويثبتهم على الإيمان.”
ثم أكمل: “ايقظ الله الفتية بعد 309 سنوات، وهم لا يدرون كم مضى من الوقت. ظنوا أنهم ناموا يومًا أو بعض يوم. فأرسلوا واحدًا منهم ليذهب إلى المدينة ويشتري لهم طعامًا، لكنهم أوصوه بالحذر، حتى لا يكشفهم أحدًا ويخبر الملك دقيانوس.
ذهب أحد الفتية، ويُقال أنه “تيذوسيس”، متنكرًا إلى السوق، لكن العملة التي كان يحملها لم تكن معروفة، فخاف الناس منه. حتى أن أحد التجار ظن أنه جاسوس من زمن قديم. لكن تيذوسيس وجد بائعًا حكيمًا اطمأن له، وأخبره بقصته، أخبره الرجل أن الملك دقيانوس قد مات منذ زمن طويل، وأن المدينة الآن يحكمها ملك صالح.
صاح الكناري بفرح: ” هل عادوا جميعًا إلى المدينة؟”
رد الهدهد: ” لا تتعجل، عاد تيذوسيس إلى الكهف ليخبر أصحابه بما حدث. طلب من الملك الصالح والناس أن ينتظروا خارج الكهف حتى لا يفزع الفتية أصحابه. دخل على أصحابه وأخبرهم بالحقيقة، ففرحوا واطمأنوا وشكروا الله، ثم دعوا أن يقبضهم إليه، فاستجاب الله دعائهم.”
دخل الملك ومن معه إلى الكهف، فوجدوا الفتية وقد فارقت أرواحهم أجسادهم. فقال الملك الصالح لقومه: “هذه الآية العظيمة هي معجزة وتذكرة للناس.” يُقال إن الملك وجد لوحًا مكتوبًا فيه أسماء الفتية. احتار الملك والقوم في شأنهم، فبنى قومه عليهم مسجدًا أي”معبدًا”، ولكن الإسلام جاء فيما بعد ونهى عن بناء المعابد على القبور.
ثم تابع الهدهد: “وهكذا انتهت قصة أصحاب الكهف، كما ذكرت في القرآن الكريم، لتكون آية من دلائل الإعجاز القرآني ودليلًا على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.”
قال الكناري: “يالها من قصة عجيبة! لقد ملأ الإيمان قلوب أصحاب الكهف كما ملأ صدري الآن.”
ابتسم الهدهد وقال: ” نعم يا صديقي، الحكايات تحمل في طياتها دروسًا لنا، تُروى من جيل إلى جيل لتكون لنا عبرة وعظة.”
ثم غرد الكناري والهدهد وحلقا في السماء ليستمعا إلى قرآن الجمعة.






المزيد
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق
ضوء الأمل: للكاتبة: سعاد الصادق