مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حسن الظن بالله بين الهلاك والنجاة

Img 20240314 Wa0374

 

كتب: أحمد حمزة

القاهرة

17/ رمضان/1445

قبل أن يبدأ القلم في السريان محادثًا على الورقة زرقان؛ مبينًا حسن الظن بالله الذي يُهلك .. عليه أولًا أن يجيب على سؤال

ما الظنّ؟

الظن: هو إدراك الأمر مع ترجيحه، وقد يصاحب هذا الترجيح اليقين، كما في قوله تعالى:
{ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَیۡهِ رَ ٰ⁠جِعُونَ }
إلى هنا حسن الظن بالله شيء حسن؛ من اسمه حتى.

فما إذًا حسن الظن بالله الذي يُهلك ويُردي؟

حسن الظن الذي يُهلك:

هو ما جاء مع ترك الأوامر والإتيان بالنواهي، فحسن الظن مع اتباع الهوى عجز وغرور بالله.
فكيف تأمن مكر من شرّع قطع يدك في جنيه مثلا؟
وكيف تأمن عقاب من شرّع رجمك حتى الموت وأنت محصن إن زنيت؟!
أو كيف تأمن عذاب من جعلت له ندا، وهو القائل
{فَلَا تَجۡعَلُوا۟ لِلَّهِ أَندَادࣰا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ}
فصرفت لغيره عبادات شتى كالخوف والرهبة والاستغاثة وغيرها؛ مطمئنا نفسك بأنه غفور رحيم؟!
هذا إذن حسن الظن بالله الذي يهلك، أو هذا هو الرجاء المذموم الذي يورد صاحبه على الهلاك.

“یَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَیۡسَ فِی قُلُوبِهِمۡۚ”

ولا يطيل قلمي عليك إن زاد عمّا سلف بأن حسن الظن بالله إن كان قولًا لا فعلًا فهو أشد وطأة مما سبق .
فكيف تقول إنك تُحسن الظن بالله وحينما يمَسسك بضرٍ تيأس، وتقنط من رحمة الله، ولسانك بينك وبين نفسك يردد ربي أهانن، ربي أهانن؛ لمجرد أنه ابتلاك فقدر عليك رزقك.
أو حينما تقول فيما يُقارب العشرون مرة في اليوم الواحد
{ إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ }
والاستعانة كما تعرف عبادة، فتقولها وتستعين بغيره، وتضجر إن لم يتحقق ما استعنت من أجله؛ فتردد ربي أهانن ربي أهانن!
نحن من أهنّ أنفسنا حينما استعنا بغير الله .. وحقيقة لا أرى هذا إلا تناقضا، أقع فيه قبلك .. فحينما أدعي التسليم والإيمان والتوكل بلساني فقط، وعند وقوع نائبة ما أهرع وألجأ لغير الله، أأكون بهذا ممن قال فيهم الله
“یَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَیۡسَ فِی قُلُوبِهِمۡۚ” ؟
أو أنني استعنت بالله قولا وفعلا؛ فخذلني وتركني وضيعني!
فكيف يخطر على بالي مثل هذا التفكير مع إيماني بقوله
{وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ } ؟

أنا معك أنك ربما تستعين بالله وتلجأ إليه؛ ويتأخر مدده وعونه ولكن هذا لحكمة؛ فلا يحدث عبسّا أو سُدى

وارجع معي إلى غزوة الخندق حينما اجتمعت الأحزاب: قريش وغطفان وهوزان على المدينة وحاصروها فيما يقترب من الشهر، ومن داخلها نقض اليهود العهود كما هو المعهود !!
فزاغت أبصار المسلمين من الحيرة والدهشة، وكادت قلوبهم أن تنخلع من هول الموقف، واضطربوا وزلزلوا حتى جاءهم مدد وعون الله بإرسال الرياح التي اقتلعت خيم الأحزاب، والملائكة التي دبت الرعب في قلوبهم .. هل تأخُّرُ هذا المدد إذن عبس ؟ أم تأخّر لحكمة
ذكرها الله _تعالى_ في قوله
{ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ جَاۤءَتۡكُمۡ جُنُودࣱ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِیحࣰا وَجُنُودࣰا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرًا (9) إِذۡ جَاۤءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ (10) هُنَالِكَ ٱبۡتُلِیَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُوا۟ زِلۡزَالࣰا شَدِیدࣰا (11) وَإِذۡ یَقُولُ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِم مَّرَضࣱ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ إِلَّا غُرُورࣰا (12) }

فتأخُّرُ العون إذن كان لحكمة البلاء نفسها، وأيضا حتى يتبين المنافقون من المؤمنين الحق. فاختلفت الظنون منهم من ظن بالله النصر والعون حتى وإن تباطأ هذا، ومنهم من ظن بالله ورسوله الغرور، قائلا في نفسه : هذا هو محمد الذي وعدنا بفتح فارس والروم، ونحن هنا محاصرون قرابة الشهر، ولا نرى لهذا الحصار كاشفة !

وأخيرا النجاة بحسن الظن

يكاد المقال أن ينتهي ولم أسرد تفاصيل عنوانه، ما النجاة إذن المترتبة على حسن الظن بالله إن كان كل ما قد سلف هلاك؟
لا ترجع من غزوة الخندق واستبقيها حاضرة في ذهنك
رغم تيقن الرسول ﷺ وصحابته من نصر الله حتى وأن تأخر وتباطأ، أخذوا بالأسباب وحفروا خندقًا حول المدينة.
وفي موضع آخر يجعلك تترك غزوة الخندق وحصار الأحزاب، تحديدا مع الصديق والفاروق، برغم من تيقن الثاني من آية
{ إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ }
أصرّ على الأول بجمع المصحف، بعد استشهاد كثير من حافظيه في حروب الردة !
أظنك استدركت الآن ما حسن الظن بالله الذي يودي إلى النجاة
وإن لم تستدرك فانظر فيما قاله الحسن البصري في حسن الظن: إنّ المؤمنَ أحسنَ الظنَّ بربِّهِ فأحسنَ العملَ.
إذًا حسن الظن الذي الذي ينجي صاحبه يكون مرتبطًا بالعمل
فالمغفرة لا تقع من الله إلا إذا استغفر العبد موقنًا بأن ربه غفور رحيم
والدعاء لا يُستجاب من الله إلا إذا دعا العبد متيقنًا بأن ربه سميع مجيب
والتوبة لا تُقبل من الله إلا إذا أناب العبد واثقًا بأن ربه توّاب منيب
أليس هو من قال ” أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَىَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” فجعل الله الخطوة الأولى منا،
إذن لابد من العمل أولا قبل أن تحسن الظن.
فحسن الظن ما حمل على العمل وحث عليه وساعده وساق إليه، ودون ذلك غرورًا بالله، لا حسن ظن ..
وحتى لا أطيل عليك
-قل لم تُطل-
أترك نهاية المقال مع هذه الأبيات
الله ربك كيف تشكو ضيعة؟ شكواك عن سوء الظنون تترجمُ
أتظن ربك يبتليك إذن سُدى كلا وربُّ العرش من ذا أحكمُ
أو إن رفعت يدك لترجو فضله منع العطايا؟ إن ربي أكرمُ
أو إن بصدق قلت ربي كن معي خلِّيت وحدك؟ بل إلهي أحلمُ

●طالب جامعي، تخصص لغة ألمانية، له مدونة باسم “كاتب بيفك الخط”●