كتب: أحمد مدحت
ظهر فجأة بيننا، كان بيته الأرصفة و يمر يوميا من حارتنا يطلب من أحدنا حسنة و من الآخر لقمة، كنا نعطف عليه بالرغم من تاريخه، كل مناكان يعطيه ما في مقدرته، من أعطاه ملابس غير تلك المتأثرة من حادث حريق فقد فيه عائلته، و منا من أطعمه و أخرون كانوا يساعدوه ببعض النقود.
رق عمدة حارتنا لحاله فأسكنه في الحانة التي يملكها منها يعمل و يكسب قوته و منا يجد مبيت له، بالرغم من أن رواد الحانة كانوا من أنجس أبناء حارتنا لكننم أحبوه، كان يلقط رزقه بينهم، منهم من كان يرسله لقضاء حاجاته، و منهم من يجعله يحمل عنه الحقائب الثقيلة و منهم من جعلوه ينظف بيوتهم و إذا شعر بالأرهاق منهم من كان يرفض نزوله الحانة و يجعله يبيت في منزله،فدخل بيوت الحارة و علم عن أهلها الأسرار و الحكايات، ناهيك عن سكارى الحانة الذين يبيحون أمامه بخباياهم.
حتى جاء يوم أصبح فيه شريك للعمدة في الحانة رأس برأس، تبدل الحال من كان يخدمهم أصبحوا يخضعون لأوامره، نجدهم ينظرون له في علو و خفية و كأنهم يعلمون أنه يعلم عنهم الكثير، لكنه مازال لم يجد لديه بيت.
كان يقدر على بناء منزل له في الحارة ويكون جار مسالم لنا، لكنه اختار منزل أحد جيراننا، أعجبه و أراد أن يسكنه، و لكن جارنا رفض و عندما توسط له العمدة ازداد رفض جارنا، إذ أعطاه منزله بأرضه و ذكرياته فأين يذهب هو و عائلته؟.
فطن للأمر فتوسل لجارنا أنه فقط يريد تلك الغرفة الموجودة بالحديقة، يسكنها و لن يشعروا بوجوده، و بعد محايلات منه و من العمدة و رواد الحانة، رضخ جارنا و أعطاه غرفة الحديقة.
استيقظنا يوما على صراخ جارنا، كانت تدور معركة دامية بين الجار و بينه، باعدنا بينهم بأعجوبة، و عندما سألنا جارنا عن سبب الخلاف، أخبرنا أنه استيقظ اليوم ليجده نائم في غرفة نومه هو و زوجته، عاتبناها بعنف، كيف يقوم بهذا الفعل المخل بالشرف؟، و بوجه مكشوف و صوت جهوري قال ..
– هذا حقي.
هذا حقي! كيف؟ نظرنا لبعضنا في حيرة ليكسر هو حيرتنا بجملته..
– هذا حقي، أنه منزلي و منزل أجدادي منذ قديم الأزل.
و أخرج لنا أوراق تقول أنه مالك البيت، فركض جارنا يخرج ما يثبت ملكيتن للمنزل لكنه لم يجدها، صعقنا جميعا فنحن نسكن حارتنا مذ زمن ولا نعرف مالك آخر للبيت سوى جارنا، رفع صوته موجه حديثه للعمدة و رواد الحانة في غضب و قال..
– أليس هذا منزلي، أم أنني اكذب؟
رد جميعها مؤيدين له فأصبتنا الدهشة و الغضب و ردنا في أستنكار أنه ليس لديه الحق حتى في تلك الغرفة الصغيرة، و دارت معركة بيننا و بينهم، وقف العمدة مشاهدا للحدث و هو بجواره، كاد أن يقضى علينا فأنسحبنا منحنية رؤوسنا، كان جارنا يركض خلفنا مستجيرا بينا يتوسل إلينا لنبقى، لننقذه منهم و لكننا تركناه، كنا ننظر له في شفقة و منا من تجاهله و آخرون صموا أذونهم عنه.
أخذ البيت و الأرض و أسكن جارنا و أسرته غرفة الحديقة، كنا نسمع صراخ جارنا كل ليلة فلقد استباح اسرته كمان استباح منزله، فنرفع أصوات التلفاز حتى يغطي علي صوته.
يوما وجدنا جارنا يسير منكث الرأس و أصبح يسكن الأرصفة، عائلته أبيدت تأثر من الجوع و الذل، صار يسير بيننا و يلقينا بنظراته اللائمة.
جميعنا خذلناه.






المزيد
يوم النجاح
لا نريد لاتحاد الناشرين/ أن يكون علبة الكراسي/ الموسيقية/ بقلم/الكاتبة/سعاد الصادق
أنين الروح