مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

جمال كدرته علة بقلم بلال حسان الحمداني 

جمال كدرته علة 

بقلم بلال حسان الحمداني 

28/8/2020 –

28/8/2026

في الثامن والعشرين من آب عام 2020، أطلّ بدر جديد على بيت عمي، فأسماه “الهيثم”. لم أشهد ولادته آنذاك؛ فقد كنت قد عدت مجدداً إلى إسطنبول، التي كانت بداياتي فيها حين حللت بلاد التُّرك. ومضت سنة إلا أياماً قليلة حتى عدت إلى قونيا مبتدئاً دراستي الجامعية.

ألفيتُه بدراً طالعاً؛ أشقر الوجه، ذا خصلاتٍ ذهبية، وعينين عسليتين. ولكن قدر الله شاء أن يعكر صفو هذا الجمال بعلة في جسده الصغير؛ فقد وُلد في شهره الثامن، وحدث معه نقص في أكسجين الدماغ أثناء الولادة. وحين أتم عامه الأول مع أخيه “المثنى” (من زوجة عمي الثانية)، مشى المثنى، وظل الهيثم حبيس الأرض، لم يخطُ ولم يمشِ.

فأصبحنا نسعى به في أروقة المشافي في شتاء قونيا القاسي. كنت أشهد لحظات تلقيه العلاج الفيزيائي وبكاءه المُمضّ، وكلما حظيت بعلاجه طبيبة أحبته لفرط براءته. كان أملنا بالله كبيراً أنه سيخطو يوماً ما، ويصبح قادراً على اللهو واللعب مع إخوته الكُثر. ولكم كانت نياط قلبي تتقطع، ويُلذع فؤادي كلما رأيت إخوته يلعبون ويلهون وهو مقيد الحركة.

وكان حال والده (عمي) ووالدته (خالتي) كذلك، وإن كانا بطبيعتهما شديدي الكتمان، لا يبوحان ولا يشتكيان. حتى إن خالتي باحت لي يوماً أنها نسيت جُلّ همومها أمام همّ الهيثم. وحين عاتبتُ عمي يوماً على سهراته الطويلة في الليالي خارج البيت، أسرت لي خالتي بأنه يفر من رؤية الهيثم أمامه.

ورغم مشكلته هذه، كان متقد الذكاء، سريع البديهة. فذات ليلة، بعد أن كنت قد افترقت عمن أحب، دخلت المطبخ وكانت أمه تجلسه في مكان مُرتفع. نظر إليّ فجأة وسألني: “بلول متى ستتزوج أنت وفلانة؟”. دهشت لكلامه، وكيف حفظ اسمها وهو لم يتعدَّ العامين والنصف من عمره! (وكانت من أحببتُ قد أحبته أيما حب، وأحبت كلامه الطفولي). أجابت خالتي عن دهشتي مبتسمة: “الهيثم حاد الذكاء”. فقلت له بابتسامة تداري غصة: “مضى ذلك.. مذ كنت أغني لها: شايف فيك أم ولادي”.

وفي نيسان عام 2024، أُجريت للهيثم عملية جراحية في قدميه. كنت حينها قد خرجت من بيت عمي إلى السكن الجامعي لقربه من الجامعة، فأمست غربتي غربتين. زاد من ألمي رؤيتي له في الصورة والجبصين يغطي قدميه الصغيرتين. وددت حينها لو استطعت أن أقتل كل مرض يصيب طفلاً، وألا أرى دمع أم أو حزن أب على فلذة كبد. قطعت المسافات آنذاك، وكتمت عبرتي حينما نظرت إليه والجبصين يقيد حركته. جاء معي الدكتور “باسل” حينها لزيارته، فدخل عمي حاملاً إياه بين ذراعيه. وبعد فترة، عززوا علاجه بعملية جراحية أخرى.

وحمداً لله الذي لم يخيب رجاء عبد ناجاه؛ فقد خطا خطواته الأولى، وإن كانت ثقيلة. وما برح حاله يتحسن بفضل الله. لم تكن فرحتي به تعدلها فرحة، وقد أحببته حباً جماً. لم يلذّ لسمعي شيء كما تلذ لي كلماته المكسرة ولغته الطفولية التي تفوق عمره، حينما كبر وكبر معه ذكاؤه الذي ألفيته فيه صغيراً.

وقد راقتني في زيارتي لعطلة الأسبوع الماضية مقاطعه المرئية على صفحته التي أنشأتها له أخته “ريان”، وهو يتلو كتاب الله، ويسجل لحظات عفوية بنفس طفولية بريئة؛ فلروحه رقة لا تدانيها رقة، وبراءة منقطعة النظير، وحنو فياض. وما زلت أناجي الله أن تستقيم مشيته، وأراه يعدو عدواً، وأن يُقر عيني أبيه وأمه اللذين لم يدَّخرا جهداً في أي وسيلة جعلها الله سبباً لشفائه. يعلم الله كم كابدا في برد الشتاء وحر الصيف، وهما يسعيان به في ردهات المشافي؛ تلك الأماكن التي تُعرف بها نِعم الله حين تُبصر الناس تقاسي الآلام والأوجاع. وما ذلك على الله بعزيز.

أرفع أكف ضراعتي لله أن يحييه حياة طيبة هنية، مباركة بطاعته وطاعة رسوله ﷺ. وأن يصب عليه الحب صباً، ليحيا في ظلاله محفوفاً بالحنو والسعادة والراحة. أسأل الله أن يعوضه عن كل ما قاساه في طفولته بصحة وعافية لا سقم فيها، ولا أنَّات، ولا عِلات، ولا آهات، وأن أراه في خير حال وإخوته معافين أصحاء.

جعلك الله ممن طال عمرهم وحَسُن عملهم.

بلال.. الذي يحبك، وكان معك في أروقة المشافي.

فإن مضيتُ يوماً.. فتذكرني.

قونيا – الثامن والعشرون من آب عام 2026