مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

القرار الذى تأخر حتى أصبح قدرًا بقلم الكاتب هانى الميهى 

القرار الذى تأخر حتى أصبح قدرًا

 الكاتب هانى الميهى 

 

مَنْ يُقَرِّرُ عَنْكَ؟

الفصل الثانى عشر

 

كان يعرف أنه يجب أن يقرر.

 

منذ سنوات وهو يعرف.

 

كلما جلس وحده قال:

 

«هذه المرة سأحسم الأمر.»

 

ثم يأتي الصباح.

 

ويعود كل شيء كما كان.

 

العمل نفسه.

 

العلاقة نفسها.

 

الانتظار نفسه.

 

والجملة نفسها:

 

«ليس الآن.»

 

كان يظن أنه لم يتخذ قرارًا بعد.

 

لكن السنوات كانت تتخذ قراراتها نيابة عنه.

 

 


 

هناك وهم خطير نعيشه أحيانًا:

 

أن عدم اتخاذ القرار يعني أننا ما زلنا نملك كل الخيارات.

 

ليس صحيحًا.

 

بعض الخيارات لها عمر.

 

الفرصة التى لم تستغلها قد ترحل.

 

العلاقة التى تركتها معلقة قد تتغير.

 

الجسد الذى أهملته قد يدفع الثمن.

 

المشروع الذى أجلته قد يصبح أصعب.

 

والإنسان الذى ظل سنوات يقول:

 

«سأقرر لاحقًا»

 

قد يستيقظ يومًا ليكتشف أن «لاحقًا» اتخذ القرار بالفعل.

 

 


 

كان يستطيع أن يبدأ مشروعه منذ خمس سنوات.

 

لم يبدأ.

 

لم يكن ينقصه المال بالكامل.

 

ولا الخبرة بالكامل.

 

كان ينقصه شيء آخر:

 

اليقين.

 

كان يريد أن يعرف قبل البداية أنه سينجح.

 

وهذا النوع من اليقين لا يأتي غالبًا.

 

فأجل.

 

قال:

 

«سأنتظر حتى تتحسن السوق.»

 

تحسنت السوق.

 

قال:

 

«سأنتظر حتى أوفر مبلغًا أكبر.»

 

وفر المال.

 

قال:

 

«سأنتظر حتى أجد الشخص المناسب.»

 

وجاء الشخص.

 

كل مرة كان هناك سبب جديد.

 

لكن السبب الحقيقي كان واحدًا:

 

كان يريد أن يضمن النتيجة قبل أن يبدأ.

 

 


 

وهذا مستحيل.

 

الحياة لا تقدم عقود ضمان قبل القرارات الكبيرة.

 

أنت تدرس.

 

وتستشير.

 

وتحسب المخاطر.

 

ثم تختار.

 

أما أن تنتظر حتى تختفى المخاطر تمامًا، فقد تنتظر إلى أن تختفى الفرصة نفسها.

 

 


 

وفى العمل، هناك موظف يعرف أنه يحتاج إلى تطوير نفسه.

 

كل عام يقول:

 

«سآخذ دورة.»

 

ثم لا يفعل.

 

يقول:

 

«سأتعلم الإنجليزية.»

 

ثم يؤجل.

 

«سأطور مهاراتى التقنية.»

 

ثم يؤجل.

 

تمر خمس سنوات.

 

يأتى شخص أصغر منه.

 

يمتلك المهارات الجديدة.

 

يحصل على الفرصة.

 

فيقول:

 

«الحظ كان معه.»

 

لكن أحيانًا ما نسميه حظًا يكون مجرد قرار اتخذه شخص بينما كنا نحن نؤجل قرارنا.

 

 


 

التأجيل لا يبدو خطيرًا فى بدايته.

 

وهذه خطورته.

 

أنت لا ترى الخسارة.

 

يوم واحد لا يصنع فرقًا.

 

أسبوع لا يصنع فرقًا.

 

شهر.

 

ثم سنة.

 

لكن الحياة لا تُفقد دفعة واحدة.

 

قد تتسرب منك بهدوء.

 

مثل الماء من ثقب صغير لا تراه.

 

حتى يأتي يوم تكتشف أن الخزان أصبح فارغًا.

 

 


 

والأصعب أن الإنسان يستطيع أن يبرر التأجيل بطريقة منطقية جدًا.

 

«الظروف.»

 

«الأولاد.»

 

«العمل.»

 

«الوقت.»

 

«المال.»

 

«المجتمع.»

 

كلها أسباب حقيقية.

 

لكن وجود سبب حقيقي لا يعني أنه السبب الوحيد.

 

أحيانًا يكون لدينا سبب…

 

وفوقه خوف.

 

والخوف هو الذى يملك الكلمة الأخيرة.

 

 


 

هناك من لم يقل «لا» لشخص يؤذيه.

 

ليس لأنه يريد بقاءه.

 

بل لأنه لا يريد مواجهة ما سيحدث بعد كلمة «لا».

 

فاستمر.

 

ومع الوقت أصبحت العلاقة أكثر تعقيدًا.

 

ثم قال:

 

«لم يكن أمامى خيار.»

 

لكن كان أمامه خيار.

 

فقط كان الخيار مؤلمًا.

 

وهذه نقطة مهمة:

 

وجود خيار لا يعني أن الخيار سهل.

 

 


 

نحن أحيانًا نخلط بين «لا أستطيع» و«لا أريد أن أدفع ثمن القرار».

 

هناك فرق كبير.

 

قد تستطيع الرحيل…

 

لكن ثمن الرحيل هو الوحدة.

 

قد تستطيع تغيير العمل…

 

لكن ثمن التغيير هو فترة من عدم الاستقرار.

 

قد تستطيع الاعتذار…

 

لكن ثمن الاعتذار أن تتخلى عن كبريائك.

 

قد تستطيع أن تبدأ…

 

لكن ثمن البداية أن تقبل أن تكون مبتدئًا.

 

وهنا يتراجع الإنسان.

 

ليس لأنه بلا خيار.

 

بل لأنه لا يريد دفع ثمن اختياره.

 

 


 

والقرار له ثمن.

 

حتى عدم القرار له ثمن.

 

لكن الفرق أن ثمن القرار غالبًا تراه أمامك.

 

أما ثمن التأجيل فيختبئ.

 

تؤجل الحديث.

 

فتدفع ثمن المسافة.

 

تؤجل العلاج.

 

فتدفع ثمن التدهور.

 

تؤجل التعلم.

 

فتدفع ثمن التأخر.

 

تؤجل الاعتذار.

 

فتدفع ثمن القطيعة.

 

تؤجل المشروع.

 

فتدفع ثمن الفرصة الضائعة.

 

ولذلك لا يوجد قرار بلا ثمن.

 

هناك فقط سؤال:

 

أي ثمن مستعد أن تدفع؟

 

 


 

وفى الإيمان، هناك معنى يحمى الإنسان من وهم السيطرة الكاملة.

 

نحن لا نعرف الغيب.

 

ولا نعرف ماذا سيحدث بعد قرارنا.

 

ولهذا لا يمكن أن نطلب من أنفسنا معرفة المستقبل.

 

لكننا نستطيع أن نتحرى الصواب، ونستشير، ونستخير، ونأخذ بالأسباب، ثم نمضى.

 

الاستخارة ليست وسيلة لمعرفة الغيب.

 

وليست وعدًا بأن الطريق سيكون بلا ألم.

 

إنها جزء من تسليم الأمر لله بعد بذل ما تستطيع من نظر وسعى.

 

وهنا يصبح الإيمان سندًا للقرار، لا ذريعة لتعليقه.

 

 


 

قد يقول الإنسان:

 

«أنا أنتظر علامة.»

 

لكن أحيانًا لا يحتاج إلى علامة.

 

هو يعرف أصلًا.

 

يعرف أن هذا العمل لا يناسبه.

 

يعرف أنه يحتاج إلى الاعتذار.

 

يعرف أن عادته تدمّره.

 

يعرف أن عليه أن يتعلم.

 

يعرف أن عليه أن يضع حدًا.

 

يعرف أنه يجب أن يبدأ.

 

لكنه يريد شيئًا آخر:

 

يريد ألا يشعر بالخوف أثناء القرار.

 

وهذا لن يحدث دائمًا.

 

الشجاعة ليست غياب الخوف.

 

الشجاعة أن تقول:

 

«أنا خائف، ومع ذلك سأفعل ما أراه صحيحًا.»

 

 


 

وقد تتأخر بعض القرارات حتى تصبح الحياة نفسها طرفًا فيها.

 

الرجل الذى لم يهتم بصحته عشر سنوات لا يعود يتعامل مع الموضوع كما كان.

 

الأب الذى ظل يؤجل وقته مع أبنائه يكتشف أنهم أصبحوا شبابًا.

 

صاحب المشروع الذى أجل الفكرة يجد السوق تغير.

 

والشخص الذى لم يقل كلمة اعتذار يجد الطرف الآخر لم يعد ينتظرها.

 

هنا يتحول التأجيل من مجرد تأخير…

 

إلى تغيير فى المعطيات.

 

 


 

ولهذا لا تقل:

 

«سأقرر عندما أكون جاهزًا.»

 

اسأل:

 

«ماذا سيحدث إذا لم أقرر؟»

 

هذا السؤال أكثر صدقًا.

 

لأننا ننظر دائمًا إلى نتيجة القرار.

 

ولا ننظر بما يكفى إلى نتيجة عدم القرار.

 

قد يكون عدم اختيارك للعمل الجديد قرارًا.

 

وقد يكون عدم إنهاء العلاقة قرارًا.

 

وقد يكون عدم بدء المشروع قرارًا.

 

حتى الصمت قرار أحيانًا.

 

والجلوس فى مكانك قرار.

 

والاستمرار كما أنت قرار.

 

أنت لا تهرب من الاختيار بعدم الاختيار.

 

أنت فقط تجعل الظروف تختار بدلًا منك.

 

 


 

وفى الحياة العملية، المدير الذى لا يحسم مشكلة داخل فريقه لا يكون محايدًا.

 

هو يتخذ قرارًا بالامتناع عن الحسم.

 

ومع الوقت، يصبح الشخص المزعج أقوى.

 

وتزداد الفوضى.

 

ويتعلم الفريق أن لا شيء يحدث.

 

ثم تصبح المشكلة ثقافة.

 

هكذا يعمل التأجيل فى المؤسسات كما يعمل فى النفوس.

 

ما لا تعالجه اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من النظام.

 

 


 

ولعل أخطر شيء فى القرارات المؤجلة أنها تصبح مع الوقت طبيعية.

 

فى البداية تقول:

 

«أنا متردد.»

 

بعد سنوات تقول:

 

«هذه حياتى.»

 

وهذه الجملة تحتاج إلى الانتباه.

 

لأن الإنسان يستطيع أن يحول النتيجة المؤقتة إلى هوية.

 

يقول:

 

«أنا لا أحب المخاطرة.»

 

بينما الحقيقة أنه لم يجرب.

 

«أنا لا أستطيع التغيير.»

 

بينما الحقيقة أنه لم يبدأ.

 

«هذه هى حياتى.»

 

بينما الحقيقة أنه استسلم لما صنعه التأجيل.

 

 


 

لكن ليس كل تأخير خطأ.

 

وهذا مهم.

 

هناك قرارات تحتاج إلى وقت.

 

الزواج يحتاج إلى تعقل.

 

المشروعات تحتاج إلى دراسة.

 

الانتقال يحتاج إلى حساب.

 

والقرارات المصيرية لا ينبغي أن تؤخذ تحت ضغط لحظة.

 

المشكلة ليست فى أن تتأنى.

 

المشكلة أن تستخدم التأنى كاسم محترم للخوف.

 

هناك فرق بين:

 

«أحتاج إلى وقت لأفكر.»

 

وبين:

 

«أحتاج إلى وقت حتى لا أقرر.»

 

الأولى حكمة.

 

والثانية هروب.

 

 


 

وقد تكون أفضل طريقة لمعرفة الفرق أن تسأل نفسك:

 

ماذا أفعل خلال فترة الانتظار؟

 

إذا كنت تجمع المعلومات.

 

وتستشير.

 

وتدرس.

 

وتجهز نفسك.

 

وتضع احتمالات.

 

فأنت تتأنى.

 

أما إذا كنت لا تفعل شيئًا سوى إعادة السؤال نفسه فى رأسك…

 

فأنت تؤجل.

 

والتفكير الذى لا يقود إلى خطوة قد يتحول إلى دائرة.

 

 


 

ربما لهذا لا تحتاج دائمًا إلى قرار ضخم.

 

ابدأ بقرار صغير.

 

مكالمة.

 

موعد.

 

صفحة.

 

ساعة تعلم.

 

طلب مساعدة.

 

حديث صادق.

 

خطة مالية.

 

خطوة أولى.

 

القرار الكبير أحيانًا يخيف النفس لأنه يبدو كجبل.

 

لكن الجبل لا يحتاج أن تحمله.

 

تحتاج فقط أن تبدأ صعوده.

 

 


 

وفى النهاية…

 

لا أحد يستطيع أن يعيش دون أن يختار.

 

حتى الذى يقول:

 

«أنا لا أعرف ماذا أريد»

 

يختار أن يبقى فى حالة عدم المعرفة.

 

والذى يقول:

 

«سأرى ماذا يحدث»

 

اختار أن يترك الأحداث تقرر.

 

والذى يقول:

 

«سأنتظر»

 

اختار الانتظار.

 

ولهذا فإن السؤال ليس:

 

هل سأقرر؟

 

بل:

 

من الذى سيقرر إذا لم أفعل؟

 

قد تكون الظروف.

 

وقد يكون الخوف.

 

وقد يكون الآخرون.

 

وقد يكون الزمن.

 

وقد تكون العادة.

 

لكن أحدًا ما سيضع الكلمة الأخيرة.

 

فلا تمنح الزمن حق اتخاذ قرار كنت تعرف أنه مسؤوليتك.

 

لا تنتظر أن يصبح الطريق واضحًا بالكامل.

 

أحيانًا لا يصبح واضحًا إلا بعد أن تمشى فيه.

 

ولا تنتظر أن يختفى الخوف.

 

قد يمشى الخوف معك.

 

ولا تنتظر اللحظة المثالية.

 

فربما لا تأتي.

 

خذ ما لديك من معرفة.

 

استعن بالله.

 

استشر من تثق بحكمته.

 

احسب ما تستطيع.

 

ثم اختر.

 

لأنك قد لا تملك أن تعرف ماذا سيحدث بعد القرار…

 

لكن يمكنك أن تمنع شيئًا واحدًا:

 

أن تستيقظ يومًا فتكتشف أن حياتك اختارت نفسها بينما كنت مشغولًا بتأجيل الاختيار.

 

رسالة الفصل

 

ليس أخطر من القرار الخاطئ إلا القرار المؤجل الذى يترك الزمن والظروف والآخرين يقررون عنك؛ فبعض الأبواب لا تُغلق فجأة، بل تغلق قليلًا كل يوم ونحن نقول: «لاحقًا».

 

تمهيد الفصل الثالث عشر

 

وبعد أن يكتشف الإنسان كم قرارًا تركه للوقت، سيصل إلى السؤال الأصعب:

 

إذا كنت قد عشت طويلًا وفق خوفك، وعاداتك، وصورة الناس عنك، ورغبتك فى الأمان، وتأجيلك المستمر…

 

فكيف تبدأ فى اختيار نفسك؟

 

ليس اختيار النفس أن تهرب من مسؤولياتك.

 

ولا أن تضع نفسك فوق الجميع.

 

ولا أن تقول «أنا حر» ثم تفعل ما تشاء.

 

اختيار النفس أعمق من ذلك.

 

هو أن تعرف من أنت، وماذا تريد، وما الذى تؤمن به، وما الذى تستطيع أن تتحمله، ثم تبدأ فى بناء حياة لا تحتاج فيها كل صباح إلى إذن من الآخرين.

 

ومن هنا يبدأ الفصل الثالث عشر:

 

حين تبدأ فى اختيار نفسك