جزيرة الذكريات
رجلٌ جالسٌ في صَمْتٍ ثقيل، كأنّما هو تمثالٌ من حنين. أمامه، على شاشة لا نراها، تطلّ أمّ كلثوم بصوتها الذي لا يشبه الأصوات. إنّه صوت يأتي من مكان بعيدٍ جداً… من زمنٍ كان فيه القلبُ أكثر سذاجة، والأحلامُ أكثر اتساعاً. ذلك الرجل نور الشريف، لا يبدو كمن يشاهد أو يستمع. يبدو كمن يُستجوب.
كلّ نظرة في عينيه تحمل سؤالاً معلّقاً:
“أين كنّا حين كنّا نسمع هذه الكلمات أول مرة؟”
“أين ذهب أولئك الذين كنّا نحبّهم وقتها؟”
“وأين ذهبنا نحن؟”
الضوء الخافت في المسرح لا يضيء ملامحه، بل يفصلها عن العالم. يصبح وجهه جزيرةً منعزلةً يغمرها مدٌّ من الذكريات. والعتمة من حوله ليست غياباً للنور، بل هي حضورٌ كاملٌ لكل ما لم يُنطَق به أبداً إنها تحتضن الندم الذي لم يجد كلماتٍ له، والحبّ الذي تأخّر إدراك قيمته، والقوة المزيّفة التي تكتسي بها أحياناً لنجاةٍ مؤقّتة ، لا تأتي الأغنية من صوتها، بل تخرج من صدور الحاضرين كتنهّد جماعيّ ،في عينَي نور الشريف، يمرّ فيلمٌ صامتٌ لحياته. كلّ هزيمة صغيرة، كلّ فرصة ضائعة، كلّ حبّ قُدّم على طبق من خوف أو كبرياء… كلّها تعبر في ثوانٍ معدودة.
كتبت : مريم .






المزيد
في ليلةٍ يُفترض أن تُطفأ فيها الشموع، لا أن تُشعل ذاكرة الوحدة بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
بين يقين الليل وقلق النهار بقلم الكاتب هانى الميهى
مرافئ الشوق الأخير بقلم الكاتب فلاح كريم العراقي