مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ثمنُ الحروب

Img 20240823 Wa0020

 

 

 

 

كتبت منى محمد حسن:

 

 

 

لحنٌ صاخب، موسيقى عالية، أوراق مرتبة على طاولة سوداء، فستانٌ بنفس لونِ الطاولة، وكأسين!

 

هذه ليلتي التي سأقابل بها( جو ريفان) صديق طفولتي الذي صار حبيبي، أريد أن يكون كل شيء على ما يرام؛ فنحن لم نتقابل منذ خريف العام المُنصرم ورسائلنا انقطعت في يونيو السابق جراء الحرب.

   جو ريفان، حبيبي الذي يرتدي زيّ قوات بلادنا، حامل شرفنا وعزتنا، سيكون بين يديّ حبيبته اليوم، أتوق لرؤية جفنيه الناعسين، ووجهه الجاد.

إنه رجلٌ عسكريٌّ شديد اللهجة مع زملائه، طفل حينما أمسك بيده وأغني له كي ينام_ نم يا عزيزي، نم فأنت متعب، من شقاء الحرب متعب، من أصوات السلاح متعب، نم ي حبيبي الجو جميل_ أحب رؤية عينيه مغمضة أشعر بأنه صغيري العزيز.

 

  إنها الحادية عشر، سيرن جرسي الآن يجب أن أرتدي فستاني بسرعة كي أقابله بحفاوة…

مضت الحادية عشر، يمكن أن يكون هناك مشكلة في محطة القطار، أو توقف القطار فجأة؛ إنها الحرب اللعينة!

 سأخبركم عن حُبنا كي يمضي الوقت ولا استشعر مروره…

إنه كما أخبرتكم صديق طفولتي، أعرفه من الخامسة، كان هو في الحادية عشر، ألعب بالقرب من ميدان الكُرة الذي يأتي إليه للعب، كان طفلٌ ماهر في التسديد؛ فسدد هدفه وأوقعني في شباكه بنظرة.

  لديه ابتسامة ساحرة، كما القمر المكتمل، لايمكنني أن أُشفى منها مريضة ببياض أسنانه، لعبنا معًا، وتجولنا في الشوارع سوية، حتى دخل الثانوية وتركني أدرس في مدرستي وحدي.

لكنه لم يغيب يومًا عن رؤيتي، يأتي بعد دوامه ينتظرني بدراجته الهوائية وننطلق، حتى دخلت أنا الثانوية وذهب هو للكلية الحربية للالتحاق بالجيش!

  

  كان حُلمنا أن يصبح ضابطًا وأصبح أنا مهندسة؛ ندرس دومًا للوصول، علمني جو ريفان كيف أصل لحلمي حينما قُبٍلَ بالجيش وأدى تحية الوطن.

 

  حينما تخرّجَ برتبته العسكرية كنت سعيدة حد الانتشاء، وكأنما تلك الشارة وضعت على كتفي معه، أحببت النظر إليها؛ فدخلت الهندسة وتقدمت بها حتى تقدم هو في عمله، اليوم أنا في آخر سنة لي، وهو يُحارب على الحدود كي يعيد شرف أمةٍ قد ضاع في الحرب العالمية الأولى…

 

  إنها الثانية صباحًا لقد تأخر على غير عادته، لن يأتي صاحب العين الرمادية بعد هذا الوقت، سأنتظره صباحًا، هناك خطبٌ ما أخّر وصوله!

 

 لم أنمْ ليلتي تلك، كنت قد لامست كل أجزاء الفِراش؛ قلقة مع أنني أعلم أن حبيبي سيكون بخير؛ إنه رجلٌ قوي، ذكي، يعلم كيف يتخطى ما يصعب تخطيه للعامة، سيأتي لا محال.

 

  غفوت حتى السابعة، إرتديت ملابسي وخرجت لمحطة القطار لإنتظاره؛ مر يومٌ كامل ولم يأتِ، تركت له رسالة في باب منزلي أنني أنتظره عند محطة القطار لكنه لم يصل…

عدتُ إلى البيت، الوضع كما هو لم يحدث شيء ولا أثر لوصول أحدٍ بعدي، الرسالة كما وضعتها بالضبط، هيه!

أحدٌ ما يطرق الباب، إنه جو بالتأكيد!

هرولت مسرعة، حبيبي سآتي…

لماذا؟!

ما هذا؟!

أين جو ريفان؟!

أين حبيبي كنت أنتظره؟!

 

  كيف لكم أن تخبروني أنه لن يأتي اليوم، ولا حتى غدًا، ولا العام المقبل، أنتم من قتلتم جو ريفان، لقد مات جو ريفان وأخذ روحي وترك جسدي بلا روح! 

 

لقد أخذت الحرب أسرتي، أبي وجدي، منزلي الذي أُحب، واليوم غادرتني روحي مع حبيبي جو ريفان، لقد مات حبيبي!