مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تلاقي أرواح بقلم مزمل بلال

تلاقي الأرواح
الكاتب / مزمل بلال (جنزبيل)
……..
ما بين اليقظة والاسترخاء الليلي والنوم المتقطع، الثامنة صباحاً والشمس في كبد السماء. منذ وفاتها أصبح كل شيء رمادياً في عيني. الأهل والأصدقاء، كلهم باتوا لا شيء بالنسبة إلي. همّي الوحيد كيف يمر هذا اليوم دون أي بهجة.

تسلل الحزن إلى بيتي، من الركن الأيمن إلى الأيسر بزاوية حادة كسرت روحي، فصار قلبي زجاجاً متناثراً في كل الأرجاء. يومان فقط على رحيلها، لكنهما كانا كألفي عام. أستعيد شريط حياتنا في كل لحظة وأقع في حبها من جديد. كانت طيبة القلب، والطيبون لا يعمّرون. جمالها يكفي نساء الأرض جميعاً.

وفي منتصف الليل، بينما أُحصي النجوم وبجواري كوب من القهوة بالنعناع الأخضر، هبط شيء من السماء كنسمة باردة. قبلتني على خدي الأيسر كما اعتادت أن تفعل. للمرة الأولى بعد ألفي عام، أعني بعد يومين فقط من وفاتها. شعرت بدموع ساخنة تغلي في مقلتيّ، تكفي لإذابة رجل. وما أدراك ما مقلتاي…

إن تحول لون عينيَّ إلى لون الكبد المحترق، فستشم رائحة ذلك الاحتراق إن مررت بجانبي. مسحت على قلبي بأنامل حريرية، وبكل خجل وأنوثة همست في أذني مبتسمة: “يوم واحد على غيابي، فتخونني مع القهوة بالنعناع؟ إنها قهوتي وصديقتي المفضلة”.

قلت: “عفواً، بل ألفا عام من السنين العجاف”.
قالت: “أتُحبني بهذا القدر بعد؟”
لم أنطق، لكن عينيها أجبرتاني على الكلام. قلت: “نعم، ولو صارت مائة ألف عام”.
ضحكت وقالت: “ما الذي يعجبك فيّ مثلاً؟”
قلت لها: “أتريدين إيقاعي في الحديث؟ ما الذي يعجبني؟ كيف تسألين؟”
قالت ضاحكة: “يا روميو، أقصد شكلي”.

قلت: “يعجبني فيكِ خمسة أشياء:
طولك يا غزالة، فمن حُسن حظي أنكِ فارعة.
وعيناكِ، فإني أقرأ فيهما حديثاً كثيراً”.
قالت: “أتظن أنك تقرأ ما في عينيّ؟”
أجبت: “لست أظن ذلك فحسب، بل أنا على يقين.
ويعجبني منظركِ بالفستان الوردي أمامي، فو الله إن الحور ليغرن من جمالكِ وأنوثتكِ”.

فتورد خداها وقالت: “ثم ماذا بعد؟”
“يعجبني صوتكِ، فيه نبرة خفيفة كالفراشة، وهدوء كجمال الليل.
قالت: “أها، كأنني مذيعات قناة الجزيرة؟”
أجبتها: “يا شقية، أنتِي الجزيرة نفسها”.
قالت: “وما الشيء الخامس إذن؟”
قلت لها: “لمسات يدكِ تعجبني”.

نظرت إليّ وقالت: “يا حبي انك لرجل! غريباً جداً”.
قلت لها: “وما الغريب في الأمر؟”
قالت: “هذه أول مرة أرى رجلاً يحب يدي حبيبته!”
فقلت لها: “وأنتِ، ما الذي يعجبكِ فيّ؟”

أمسكت يدي تتحسس عروقي بأصابعها
وقالت: “لا أدري، أحب عروقك فلا تسألني ما هو السبب”.
قلت لها: “يجب أن تحبيها لأن حبك يسري فيه …؟”
قالت بمكر: “أأخبرك بما يعجبني فيك؟”
قلت لها: “لا، لا أريد أن أعرف شيئاً آخر……!”
قالت لي “لماذا لا تريد أن تعرف؟”
نظرت في عينيها وقلت: “ألم أقل لكِ إني أقرأ ما فيهما؟”
قالت: “وماذا قرأت؟”
قلت لها: “كلاماً سيئاً، مثلكِ تماماً”.

ضحكت كثيراً وقالت: “أحبك كثيراً” واحتضنتها، ولولا صوت الأذان الفجر أيقظني من حلمي لأخبرتكم بما جرى.
رفقواً بمن تحبون قبل الرحيل…..؟

—ولنبقي أنا وأنت معاً للابد