مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تفاحة فينوس

Img 20250224 Wa0014

كتبت منال ربيعي 

 

في يوم من الأيام، اجتمعت آلهة الأولمب في وليمة فاخرة، حيث كانت الأقدار تُحاك ببطء. تسللت إيريس، آلهة النزاع، إلى الاحتفال، وألقت تفاحة ذهبية نُقش عليها “للأجمل”. اشتعل النزاع بين هيرا، أثينا، وأفروديت، فكل واحدة رأت أنها الأحق بها.

 

لجأن إلى زيوس، لكنه أبى أن يحكم، وأمر بإسناد القرار إلى باريس، أمير طروادة. أُحضر باريس إلى محكمة الآلهة، حيث وقفت الربّات الثلاث أمامه، كل واحدة تحاول استمالته. هيرا وعدته بالسلطة، أثينا عرضت عليه الحكمة والانتصار في الحروب، وأفروديت همست له بوعد بجمال لا يقاوم: حب هيلين، أجمل نساء الأرض.

 

حين وقعت عيناه على هيلين، أدرك أنها لم تكن مجرد وعد إلهي بل كانت قدره المحتوم. شعر وكأنه التقى بروحه الأخرى، امرأة تحمل في عينيها بريق البحر وحكايات المدن القديمة. وقعت هيلين بدورها في سحر الأمير الطروادي، الذي جاءها كنسيم غريب من الشرق، يهمس لها بحكايات الحب والحرية.

 

لم يكن اختطافها مجرد نزوة، بل كان هروبًا من مصير لم يختره أي منهما. في ظلال الليل، تسللت معه، تاركة وراءها قصرًا باردًا وزوجًا لم تهواه يومًا. أبحرا معًا نحو طروادة، حيث كان الحب ينتصر للحظات قبل أن تبدأ المأساة.

 

لكن المدن لا تغفر، والحروب لا ترحم. حين وصلت جيوش اليونان، أدرك باريس أن عشقه لهيلين لم يكن إلا الشرارة التي ستُحرق مملكته. وعلى أسوار طروادة، كان يرى ألسنة اللهب تتصاعد، وعيناه تبحثان عن هيلين وسط الدمار، تلك التي كانت يومًا بوابته إلى الحب، وأصبحت نبوءة فنائه.

 

لم تطل الحرب أكثر، فسرعان ما وجدت طروادة نفسها محاصرة. اخترق أخيل خطوط الدفاع، وسقط باريس بسهم مميت من يد فيلوكتيس. رأى هيلين للمرة الأخيرة قبل أن يخبو وهج الحياة في عينيه، وتركها تواجه مصيرها بين المنتصرين. انهارت طروادة، وسقطت معابدها وقصورها تحت أقدام الغزاة.

 

أخذها الملك المنتصر كغنيمة، لكنها لم تكن سوى ظل لامرأة كانت يومًا ملكة القلوب. وحدها الرياح حملت ذكرى حب لم يُكتب له الخلود، وحين انطفأت النيران الأخيرة، بقيت التفاحة الذهبية شاهدًا على مأساة بدأت بوعد جميل وانتهت بلعنة لا تزول.