مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تطور الإنسان في أقواع الزمان

كتب: أحمد خالد خطيب

 

لما أرادَ اللهُ أنْ يجعلَ في الأرضِ خليفةً حدد لها مهمتَها في الحياةِ الدنيا، وأرسَى قواعدَ وأسساً للتعامل؛ ليكون التعايش السليم الممدوح الذي أراده رب الناس.
وقد بيّن الحقُّ سبحانه أعداء البشرية الذين يُخرّبون عليهم حركةَ حياتهم، فيُعوِّقون المسير، ويُفسدون جمال الوجود الذي أراده الواحدُ المعبود، وسيَّر الإنسانَ بالعقلِ الذي أهداه إياه، وميزه به على كل مخلوقاته، كما حذر سبحانه من خطورةِ اتباع الهوى الذي ينافُي طرق العقل ومهمته.
ولكنِ الأنسانُ منذ خلق اللهُ العوالم يتمتعُ بكبرياءٍ محْضٍ عل الخلق، فضلاً عن تعالِيه على مثِيلهِ، مما ترك أثراً سقيماً صدّع أركان الحركة الحياتية، فكان ذلك الجهول سبباً في تعطيل الناموس الكوني أن يسيرَ وفق ما وضع الواضع سبحانه، فكان ذا الإنسان خلق منحرف خلف الأهواء، فضرب عرض الحائط بترتيب ربّ الأرض والسماء.
فتطوّر الإنسانُ عبر الزمان، وباختلاف المكان، مرتقياً سُلَّم الفساد، وتنوّعَ مُتفنّناً في ارتكاب المآثم، فارتكبَ من المآثم فبيحاً، ومن الجرائم فضوحاً، ليُنصِّبَ نفسه حاكماً على الرقاب، وشاهداً على نفسه يوم تُجمع الخلائق للحساب، بين يدي رب الأرباب.
فما كان من نسيم الهواء أنْ تبدّلَ رياحَ ظلمٍ تَشْتَمّهُ البشرية، وريح فسادٍ يحرك الهوى كيف يشاء، وسلّمتِ الخليقةُ الإنسانية عقلَها لما يُسمى بالتطور ومراكبة العصور.
ذلكم التقدم الذي أبدعَ وبَرع في تقديم المسقطات، وطرق الوقوع في المستنقعات، فأصبحت الشرور قواعد الحياة فعمت الأرض، لتصير مقياساً يعيش بيه الناس.
فضلاً عن الأخلاق التي غاصت فغارت في بواطن الأرضين، فصار سوء الأخلاق ورفع الصوت وبذائة الألفاظ معياراً لقياس شهامة الرجال، وتحضر المرأة وتمدّنها، فإن ارتفعت الأصوات بقبيح الألفاظ، ونادت الفعال بسوء السلوك صار الرجل بذلك رجلا تهابه الرجال، وأذا خالفت المرأة زوجها، فعصت أوامره، وأفشت سره، وجعلت نفسها له ندّاً، فأغضبته، وعيّرته بقليل رزقه، وبالظلم إذا تضاعف عنها إرثه، ومكرت به، وانتقمت منه، صارت بذلك هي الأسطورة التي ينبغي أن تكون مثالاً يُضرب.

بئست تلك العقول التي ظنّت نفسها تعي، وهي غارقة في أعماقِ بحارٍ متبعةً هواها، تاركةً أمر باريها ومولاها.
ولله درّ القائل إذ جمع عناوين الانحطاط في قوله

إني بُليتُ بأربعٍ ما سُلطوا
إلا لشدة شقوتي وعنائي
أبليسُ والدنيا ونفسي والهوى
كيف الخلاص وكلهم أعدائي

فحكموا عقولكم واعلموا أن الله إنما خلق العقل لتقييد ما فيه الضرر لا لتبرير الهوى، فاجعل عقلك قائداً لا راكباً، فإنما سميَ الهوَى هوىً لأنه يهوِي بصاحبه إلى الدركات.

فلا يسلم العبد من أهوائه إلا بالسير على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الأكرمين

وكل خير في اتباع مَن سلف
وكل شر في ابتداع من خلف

فاتباع الهوى يجعلك تسير خلف ما ترى وتسمع دون انتباه أو فحص، والتطور هذا الذي أعنيه هو كل ما يعج به الزمان من اتباع الغرب وغيرهم في كل شيء.
وما كان هذا إلا لأن المسلم لما أغفى قلبُه وعقله فالتحم بالسّبات، سلّم نفسه برضاه فدسوا في أحلامه تخلف المسلمين وسيرهم خلف رجالات يعطونهم قدسية ومكانة ورّثتْ عندهم جهلا وتراجعاً.
فحلا ذلك في المنام وبقي المسلمون آمنين قانعين بتخلفهم عن ركْب الحياة، فتركوا دينهم وأوامره دون نظر وانتباه لما يحيطهم من المكر والخديعة.

ولو حكّمت عقلك وركنت هواك، علِمتَ أنه لا يُحارَب إلا السليم بل أقول القوي المخيف، فكان قبل البدأ في سقيا التخلف الحقيقي نزعٌ شامل لحرية التفكير، وديمقراطية التعبير، ليستأثروا بهما فيقع لهم القولُ والتأثير.

وإلا كيف سارت الدنيا في سلام معلوم ( أعلمه وتعلمه ) أيام النبي والصحابة، قبل هذه التطورات الفاسدة، وكيف تزوج خير الشباب ( وهم يلبسون جلابيبهم التي أفهمنا الغرب أنها أضحوكة ) من خير النساء ( وهم يرتدون جلابيبهم التي أفهمنا كذا الغرب أنها مسخرة الزمان )
كما أفهمنا الغرب أن التفنن والتمدن والتطور يفسرُه جسد عاري، فسلبوا عقولنا لأن العقل لو تفكر تحكم فحكم، ولو حكم لأسقط مرادهم.
فالعقل إنما خُلق لييتطور به الإنسان إلى ارتفاع، فسلبوه فصار التطور إلى الأقواع.

فصرنا نصير خلف المطورين المزيفين دون وعي، وكأن التطور هو سمتهم، فوجب تقليدهم فيما استطعنا تقليده، وتقديس انجازاتهم وأفكارهم إن لم نستطع تمثيله.
وبمفهوم المخالفة نؤمن أن ما دام التقدم هنا فالتخلف هناك، ولشديد الحرج هي رؤية سلبية معكوسة لا تشير إلى حق، ولا يرتضيها خالق الخلق.
ومن هنا ضُربت في الأرض فأس الفساد فأنبتت ألماً ووجعاً، قتلاً وظلماً، تعديا ونهباً، وغير ذلك مما يتعارض تعارضاً كليا مع منهاج رب العالمين، وسنة سيد الأنبياء والمرسلين