كتبت منال ربيعي
في عصرٍ أصبحت التكنولوجيا فيه سيدة كل شيء، حيث يمكن أن تختصر رسالة نصية مشاعر عمرٍ كامل، وحيث يمر الوقت في صمت تملؤه شاشات متوهجة، فقد الحب دفأه، وباتت العلاقات أشبه ببياناتٍ مشفرة لا يفك شيفرتها سوى الوحدة.
كانت ليلى تجلس في ركن غرفتها المزخرفة، تنظر إلى النافذة التي تطل على مدينة لا تنام. المباني الشاهقة تضج بالأضواء، والسيارات تسير دون توقف، لكن قلبها كان صامتًا كليلة شتاء طويلة. في هذا العالم الرقمي البارد، شعرت أن روحها تذوب تدريجيًا.
لطالما حلمت ليلى بأن تعيش في عصرٍ أبسط، عصر الأوراق التي تحمل رائحة الكلمات المكتوبة بعناية، عصر الخطابات التي تعبر البحار لتصل إلى الأحبة، تلك الأيام التي كانت المشاعر تُنسج فيها على مهل. كانت تتخيل نفسها تتلقى رسالة مكتوبة بخط يد آدم، تُخبئها تحت وسادتها لتقرأها كل ليلة، لكنها عاشت بدلًا من ذلك في عصر الرسائل المختصرة والوعود الرقمية التي لا حياة فيها.
آدم، الرجل الذي ملأ العالم ابتكارًا، كان أقرب للخيال من أن يكون زوجًا حقيقيًا. ورغم أنها كانت محاطة بكل مظاهر الرفاهية التي لا يمكن أن تحلم بها امرأة، إلا أن قلبها كان يتوق إلى لمسة، كلمة، أو حتى نظرة تُشعرها بأنها ليست مجرد جزء من نظام حياته المنظم بدقة.
في تلك اللحظات التي كانت تراقب فيها صمته المشغول، تساءلت: هل نحن من نسيّر التكنولوجيا، أم أننا أصبحنا أسرى لها؟
كانت “ليلى” أشبه بلوحةٍ من عصر النهضة، تسكن القصور كأنها جوهرةٌ موضوعة بعناية، لكنها محاطة بصمتٍ ثقيل. زوجها “آدم”، العبقري الذي هزم العالم بابتكاراته في الذكاء الاصطناعي، كان غارقًا في طموحاته حتى النخاع. رغم ثرائه، لم يستطع شراء الوقت الذي تحتاجه منه. كانت عيناها تبحثان عنه بين أوراقه وشاشاته، لكنه كان دائمًا هناك جسدًا، غائبًا روحًا.
بدأت مشاعر الوحدة تأكل روحها. كانت تنظر إليه وهو يعمل، تحاول تذكيره بوجودها، لكنه كان ينزلق من بين يديها مثل وهمٍ خادع. ليلةً بعد أخرى، كانت تحدث نفسها: “هل أنا جزء من حياته أم مجرد تفصيلة صغيرة تُكمل صورته المثالية؟”
وفي ليلةٍ باردة، اتخذت قرارها. لن تبقى سجينة حبٍ من طرف واحد. حزمت حقيبة صغيرة، وانسلت من القصر. لكنها لم تعلم أن آدم، بجنونه، كان يعرف كل خطوة تخطوها.
عندما اعترض طريقها، كان أشبه بعاصفة غضب. “أتهربين مني؟ ليلى، أنا صنعت هذا العالم من أجلك!”
أجابت، ودموعها تغمر وجهها: “عالمك جميل يا آدم، لكنني وحدي فيه. لقد نسيت أنني بشر، أحتاج الحب، الاهتمام، لا المال ولا القصور.”
فقد صوابه للحظة. في انفعاله، رفع المسدس. صوت الرصاصة مزّق الصمت.






المزيد
يوم النجاح
فتاة الأقحوان
عبر الزمن المجهول