ڪتبت. أميرة محمد عبدالرحيم
في أعماق الليل، حين يهدأ الضجيج وتنام المدينة تحت عباءة السكون، تبدأ الأرواح في البوح بما لم تستطع قوله في وضح النهار. هناك، حيث لا صوت يُسمع إلا نبض القلب، تولد الأفكار، وتنسج الذاكرة خيوطها على مهل، كأنها تعيد تشكيل الحياة في صمتٍ جميل.
في هذا الهدوء، يتجلى للنفس حقيقتها. لا أقنعة تُرتدى، ولا مجاملات تُقال، فقط الإنسان بصورته المجردة. يسأل نفسه: هل أنا على الطريق الصحيح؟ هل ما أعيشه يُرضي قلبي أم هو مجرد عبور في دروب الآخرين؟ تلك الأسئلة التي يخشاها الكثيرون في النهار، تتسلل في الليل بنعومة لتطرق أبواب القلب.
الليل ليس فقط وقتًا للراحة، بل هو لحظة صدق. ففيه تستفيق الذكريات القديمة، وتعلو أصوات الندم أو الرضا، وتتشكل الأحلام القادمة. كم من قرارٍ اتُخذ في هدوء الليل! وكم من دمعةٍ سقطت على الوسادة دون أن يراها أحد، لكنها غسلت أوجاعًا عمرها سنوات!
وفي هذا الخفاء، قد يجد الإنسان صديقًا لا يُرى: قلبه. نعم، القلب الذي لطالما تجاهله في زحمة الأيام، يعود ليهمس له: “أنا هنا، فاستمع إليّ.” وما أجمل تلك اللحظات حين يصغي المرء لنفسه، ويمنحها بعضًا من الحنان والتقدير.
ليس عيبًا أن نبكي في الليل، ولا ضعفًا أن نعترف بأخطائنا في وحدته. بل تلك اللحظات قد تكون بداية حقيقية للتصالح مع الذات، وولادة جديدة لروحٍ أرهقتها الحياة. الليل مرآة نرى فيها وجوهنا الحقيقية، ونكتشف فيها قوة لم نكن نعلم بوجودها. حين يوشك الفجر أن يبزغ، نكون قد اقتربنا من أنفسنا أكثر، فهمناها، واحتضناها. ففي كل ليلةٍ هادئة، فرصة جديدة لنعرف من نكون، وما نريد أن نصبح عليه.






المزيد
كل هذه القوة تجعلنى أختنق بقلم الكاتب هانى الميهى
الخسارة بشرف… انتصار في أعين الوطن بقلم ابن الصعيد الهواري
لا تحزن، الله معنا ! بقلم سها مراد