مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين الصنعة والموهبة

Img 20250405 Wa0056

 كتب  محمود جمال أبو خميس

 

 

رؤية نقدية لأدب محفوظ

 

 

لم أجد لدى نجيب محفوظ موهبة إبداعية خالصة، ولم يكن حصوله على جائزة نوبل للأدب -في رأيي- نتيجة عبقرية أدبية متفردة، بل لأنه أتقن فن الكتابة وألمَّ بأصولها، فصار قادرًا على إحكام بناء الرواية وصياغتها، حتى وإن افتقدتُ جوهر القصة وروحها المتدفقة التي تجعل العمل الأدبي خالدًا بذاته، لا بصناعته.

 

لقد وجدتُهُ صانعًا ماهرًا، تشرَّب قوانين الكتابة حتى أتقنها حرفةً وصنعةً، فصار يسرد الرواية بإحكام التنظيم ودقة البناء، لكنها في كثير من أعماله تبدو خالية من نبض الحكاية وعمقها الحقيقي، وهنا يكمن جوهر خلافي معه؛ فمشكلتي ليست في أسلوبه، ولا في سلاسة سرده، فهو بلا شك كاتب متمكن، لكن إتقانه للحرفة جاء على حساب روح القصة ذاتها، إذ يفتقد نَصُّه ذلك الوهج الذي يمنح القصة معناها الأصيل.

 

إنه يُجيد بناء الأحداث وحبكتها، لكنه في كثير من الأحيان يكتب نصًّا بلا غاية، لا يتجاوز كونه حكاية مُصاغة بمهارةٍ دون رسالة عميقة أو هدف واضح.

 

 ولهذا.. أرى أنه افتقد جوهر الإبداع الحقيقي، ذلك الإبداع الذي لا تصنعه الصنعة وحدها، بل تشتعل جذوته من الموهبة الأصيلة التي تُحيي النص وتمنحه بعدًا إنسانيًّا خالدًا.

 

وقد يعقب أحدهم فيقول: 

هل يمكن حقًّا الفصل بين الإبداع والصنعة؟

فالإبداع الأدبي لا يقتصر على الفكرة الخام أو العاطفة المتدفقة فقط، بل يحتاج إلى مهارة في البناء والصياغة. أليس إتقان البناء السردي بحد ذاته جزءًا من الإبداع؟

وأقول: 

 الإبداع ليس مجرد تقنيات أو براعة في السرد، بل لا بد أن يحمل معنى حقيقيًّا، سواء كان ظاهرًا أو مُستترًا.

 الإبداع في نظري مشروطٌ بالغاية، بالمعنى، بالقيمة التي يتركها النص في وجدان القارئ، وهذا مطلب مشروع، بل وضروري في زمنٍ طغى فيه التكرار والتسطيح.

 

لعلك تقول: هل المعنى بالضرورة أن يكون واضحًا، أو حتى موجودًا من منظورنا؟

أحيانًا ما نظنه “عديم الغاية”، يكون في ذاته مرآة للعبث الإنساني.

ثم إن بعض النصوص، كأعمال محفوظ في الحارة المصرية مثلًا، قد تبدو واقعية جدًّا، خالية من الرمزية، لكنك حين تتأملها، تجد أنها تحمل تأملات فلسفية دفينة عن المجتمع، السلطة، الهوية، الزمن. أنا لا أرى هذا، ولذلك.. ربما ما رأيته في قصصه من خلوٍّ من الغاية، هو خلوٌّ من نوع المعنى الذي أرتضيه أنا، لا من المعنى بالضرورة.

 

وقد يقول قائل: 

لم تكن قصص محفوظ مجرد “قصص”، بل كانت تاريخًا للمجتمع المصري وتحوُّلاته، بينما الأعمال الدرامية اليوم تعتمد على تفاعل سريع مع المتلقي، وهذا فارق جوهري في طبيعة الإنتاج الأدبي والفني.

 

أقول لك:

ومَنْ قال أنَّ من حق الكاتب أو الأديب أن يُشغل قلمه بملاحقة الواقع على حساب فنه؟ إن التورُّط في رسم شخوصٍ تنقل المجتمع كما هو قد يجرُّ الكاتب من فضاء الخيال الرحب إلى سجن النقل والتكرار، فيغدو فنه فقيرًا، مقيدًا، عاجزًا عن التحليق.

 

أنا لا أطلب من الأديب أن يُزوِّر الواقع، بل أن يسمو عليه، أن يخلق منه شخصيات مركبة تَنبِضُ بالرمز والتأويل، لا أن يُسقط على الورق نُسَخًا مكررة من الشارع. فالأدب -في رأيي- ليس وثيقةً أرشيفية، بل رؤية تتجاوز الظاهر إلى جوهر الإنسان.

 

كنت أريد شخصيات تنبع من وحي الخيال، تحمل رؤى جديدة، لا مجرد محاكاة مستهلكة لما هو قائم. فالإبداع لا يُقاس بمدى اقترابه من الواقع، بل بقدرته على إعادة تشكيله، أو تجاوزه نحو ما هو أعمق وأخلد.

 

فهل نُدين محفوظ لأنه سار في درب الواقع؟ أم نُدين الأدباء الذين ساروا خلفه دون أن يخلقوا لأنفسهم دربًا خاصًّا؟

 هل ترى أن الالتزام بالواقع دائمًا يعني فقرًا في الخيال؟ أم أن هناك قدرة ما على تحويل الواقع ذاته إلى مسرح رمزي عميق، إن توفَّرت العين الرائية؟

 

وفي المقابل، أرى أن الأدب الحق يتجلَّى اليوم في أقلام كُتَّاب مثل “عبد الرحيم كمال، ومريم نعوم”، أولئك الذين امتلكوا مفاتيح السرد المبدع، فاستطاعوا أن يخلقوا قصصًا تحمل بين طيَّاتها عمقًا دراميًّا وإنسانيًّا، وتُدهشك قدرتهم على تحويل الواقع إلى مشاعر خالدة على الورق، فهناك فارق شاسع بين أن تكون موهوبًا بالفطرة وبين أن تمتلك أدوات الحرفة وحدها، فتبلغ أقصى درجات إتقانها دون أن تلامس جوهر الإبداع الذي يمنح العمل وَهَجَهُ الخاص.

 

وأكاد ألمح هذا النموذج متجسدًا في الكاتب الصحفي “إبراهيم عيسى”، الذي يبدو وكأنه تأثَّر بمحفوظ، فهو بلا شك بارعٌ في الصياغة، مُتقنٌ للحرفة إلى حد يَصعُب تعديله أو تحسينه، لكنه شأن الأديب محفوظ، يفتقر إلى الخيال الخصب القادر على تشكيل القصة ببنائها المتكامل، ونقدها ومعالجتها بأسلوب إبداعي خالص، وهو -إضافةً لذلك- سجين داخل آرائه الشخصية التي تطغى على نصوصه، فلا تترك لها فرصة لأن تتحرر من قيد الموقف الذهني إلى فضاء الخيال الإبداعي الرحب.

وقد يُحتج بأن عظماء الأدب لم يتخلَّوا عن رؤاهم الفكرية، بل جعلوا منها مادة خام لصناعة أدب خالد، فجورج أورويل لم يُخفِ موقفه من الاستبداد، وماركيز لم يتوارَ خلف الحياد، ومع ذلك خرجت أعمالهم عميقة المعنى.

 

لكن الفرق -كما أراه- أن أفكارهم انصهرت في بنية السرد دون أن تُهيمن عليها؛ كانت جزءًا من النسيج، لا سطوةً عليه. أمَّا حين تتحوَّل الفكرة إلى سلطة قاهرة تُسخِّر الشخصيات وتُقيِّد خيال القارئ، فإن النص يفقد حريته، ويغدو منشورًا مُقنَّعًا، لا أدبًا متحرِّرًا.

 

فليس الخطر في أن يُفكِّر الكاتب، بل في أن يستأثر بالفِكَر حتى يخنق بها شهيَّة الحكاية وفضاء التخيُّل.

 

الخطأ في نظري لا يكمن في الحضور الفكري للكاتب، بل في استبداده بالنص، حين تطغى آراؤه على نسيجه السردي، فينحرف الإبداع عن مساره، ويغدو النص أصداءً لأفكاره، لا كيانًا حيًّا ينبض بذاته.

 

إن الحرفة مهما بلغت من الإتقان لا تصنع مُبدعًا، كما أن الإبداع مهما سما لا يُغني عن الصنعة. غير أن الأديب الحق هو من يُزاوج بينهما، فلا يكون أسير أدواته وحدها، بل يمتلك تلك الشرارة الفطرية التي لا تُكتسب ولا تُعلَّم.