كتبت منى محمد حسن
لا داعي أن أكتب مقدمة؛ فالبدايات دائمًا رائعة والنهايات مرموقة، لا أحد يكترث للوسط أو النَص.
سافرت عن أهلي أحد عشر ربيعًا أخذت معي شبابي وأحلامي، ظننت أن جناحا الطائرة ملك لي، فحلّقت نحو بلاد، لا دارها داري ولا أهلها أهلي، ولا الأماكن تنتمي لي.
كنت أظن أنه ربما فانوس علاء الدين، كلما أتمنى شيء أجده مجاب، فرُحت أبحث هنا وهناك، حاملًا شهادات تفوقي الجامعي، وطلب كليتي أن أصبح معلمًا فيها، لكنهم لم يكترثوا!
عملت غاسلًا للأطباق في المطاعم، وأنا أحمل شهادة الإمتياز في إدارة الأعمال من أحسن جامعات بلادي، دنوت إلى عملٍ آخر فراتب غسل الصحون لم يكفيني لشراء ملابس حتى، فعملت كسائق أجرة أبحث هنا وهناك وأقابل أوجه كثيرة، لكنهم ليسوا كأوجه أشخاص بلادي، فهناك الكل معروف حتى لو لم تك لديك معرفة شخصية به.
سمعت عن أنهم ديموقراطيون، غير قبليون ولا حتى عنصريون، لكن دائمًا آرى نظارتهم لبعضهم البعض، رأيت ذات مرة شجار بين مرتادي الحزبين الكبار في البلاد واحد قد قتل الآخر.
وشرطي أبيض اللون يُلاحق فتى أسود جعل من رأسه حطام لا يمكن تجميعه.
علمت حينها أن وسائل الإعلام تروِّج لأشياء في الخيال، يفتتن بها من هم مثلي ومثلك صديقي القارئ.
أ أخبرك أمرًا؟
أشتاق لموطني، لبائعات الشاي، للباعة المتجولين عند المواصلات، لزحمة السير عند الثالثة عصرًا، للطعام من يد والدتي…
ولعيناها، إنها ابنة جاري تصغرني بخمسة أعوام يجول بخاطري حبها فقررت أن أتزوجها عند عودتي وأخبرت أخي، بالحديث عن أخي، ليتني سمعته وتوظفت عند كليتي، وأصبحت معلم، أقلها أرد الدين الذي عليّ، وأمسك عمل والدي الذي بات يكبر ووالدي وأخي لا يلاحقان على العمل، والعمال كثر.
الغربة يا صديقي جحيم، نجفل أنفسنا فيه زاعمين بأننا سنأوي إلى الجنة لكن الصراط لديها رأي آخر، الغربة ليست فقد فقط، بل دفع ثمن، ثمن باهظ لا أحد يسعى كي يكمل الشيك، فأنا هنا بالرغم من أني وجدت الآن وظيفة أحلامي بعد عناء أربعة سنوات لكني افتقد كيف التواصل، أصبحت لا اتصل كثيرًا، وسمعت أن حبيبتي سمراء اللون التي تملك حبتي قهوة عند عينيها قد تزوجت، ووالدتي مريضة، كل ذلك وأنا لم أعد.
أصبحت لا أذكر العودة، وخضت مع الخائضين هنا، بين سيارتي التي اشتريتها أخيرًا، والشقة في الشارع الرئيسي، ومديري الذي أصبح يثق فيّ.
يا صديقي إنني بمتاهة، كلما رأيت إتصالًا من موطني ارسلت المال، كأنني أدفع لهم كي لا يخبرونني بشوقهم فتتفتح زهور قلبي ذات الأشواك التي تجتاح أوردتي فأبكي.
أبكي على التي ضاعت من يدي وهي لا تعلم أني هائم بعينيها، ووالدتي التي أسقمها السهر، ووالدي الذي شاب دون أن يشيخ، وأخي الذي لم أحضر زفافه، وأختي التي أسمت ابنها على اسمي، وداري، وأصدقائي، وشوارع الحي.
لا نهاية لنصي هذا، كل منكم فليكتب النهاية التي يريد، الذي يريد أن يعود لموطنه فاليعود، والذي يريد أن يجلب أحبائه فاليجلبهم، والذي سيتناسى فالينسى، أما أنا سأكتبها عندما اتذوق مرارة الغربة بعد حين.






المزيد
رسالة إلى طبيبي بقلم علياء حسن العشري
رماد الإنتقام الكاتبة إسراء حسن عبدالله
تراتيل النزيف الأخير بقلم فلاح كريم العراقي