مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بداية القصة

كتبت: أروى رأفت نوار

 

 

عقب إنتهاء وجبة الغداء، وحان الوقت؛ لاستذكار دروسي إستعدادًا للإختبارات النهائية، شهر أكتوبر الحزين، هاتف يرن كالمعتاد، غير المعتاد تلقي خبر وفاة الوحيدة التي تبقت لي في الحياة، عمود المنزل الثاني، انتقالٌ لمشهد آخر، غرفة صغيرة وجثة هامدة، تلتف بكفن أبيض ورائحة المسك تنتشر في المكان، بكاء وصراخ ودعوات آلمت صدري المكتوم، حان وقت التنازل عن كبريائي وقوتي قليلاً، وترك العنان؛ لصرخاتي المكتومة.

 

مرّ شهر.

 

في يوم الجمعة، عقب انتهاء الصلاة في إنتظار قدوم والدي، هاتف يرن للمرة الثانية، أصبحتُ أخشى تلك الهواتف اللعينة حقًا،

كنتُ أنا من أجبت، والدي على الطرف الآخر ينقل لي خبرًا تعيسًا آخر، فأنهض لارتداء الأسود من جديد الذي لم أخلعه سوى بالأمس، استعدادًا لمراسم العزاء من جديد وتكرار المشهد، جثة هامدة وكفن أبيض، ودعوات صادقة مختلطة بالدموع، من هنا أصبح نوفمبر التعيس. 

 

مرّ شهر وأربعة عشر يومًا.

 

احتفالاً برأس السنة، وإستعدادًا؛ لبداية عام جديد نسأل الله أن يكن عامًا أفضل من ذي قبل، فلقد اكتفى قلبي ولم يعد في مقدوره استيعاب المزيد من الصدمات، في جلسة عائلية معتادة نستعد؛ لمشاهدة فيلم، تلقي رسائل بوفاة أقرب الأصدقاء لقلبي، رفيقة الدرب الوحيدة، بعبارة واحدة صادمة، كانت تلك بالفعل هي القشة التي قسمت ظهر البعير، وكانت هي الأسوأ في مواساة نفسي التي لم تضع في حسبان الرحيل السريع، في عمر الزهور يأتي الموت؛ ليقطف الورد من البساتين دون الاهتمام بزارعيها، يخشى صاحبها أن تُقطف وتذبل، فيأتي غرابًا موكلٍ على الجميع؛ لينشر الحزن ويعم الخراب الذي يؤلم صاحبه، كان ذلك هو المشهد الأخير، ديسمبر الختامي، القاهر لِما تبقى من قلبي.

 

أستنتهي القصة إلى هذا الحد؟

أم هي بداية لقصة جديدة سأظل أسرد سلسلة طويلة منها في كل مرة؟

 

بتعابير مختلفة، أسرد تلك القصص التي آلمت قلبي حقًا، لا أجد شيئًا يستحق الكتابة سوى ذلك، أن أعبر عما يضيق صدري من فراق الأحباب، الشوق الجارف لهم، تلك المعاناة التي حُبِس قلبي بها دون وجه حق، ومن قال أن العزاء يُقام للأموات؟ 

أرى أنه يقام للأحياء، المراسم الأخيرة في الوداع الأخير لحي يرزق على وجه الأرض، دُفن قلبه في جوفها، صخرة كبيرة تُغلق على جسد ميت، بالفعل انتقل بجوار الرفيق الأعلى باعتبار أنه حي يسمع ويرى “أضحوكة قديمة تُقال لنا في لحظات الفراق”

 لا تفرق بيننا من الحي؟ ومن الميت؟

هل الموت بالجسد فقط وانتقال الروح؟

أم بجسد حي يرزق ميت إكلينيكيًا بالفعل لا يشعر بشيء؟

فاقد للمشاعر، يهاب الاقتراب، دائم التفكير في شيء واللاشيء، مُلام على تقصيره؛ حتى وإن لم يقصر، أود لو لمرة واحدة، مرة واحدة كسر تلك الجملة التي تقول: أن الإنسان يعتاد فراق من يحب، تالله إن الشوق للميت يُميت.