مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

خلف صمتي وجع خفي

كتبت: إيمان بامقابل

 

 

يرعبني صمتي أكثر من ثرثرتي، فخلف صمتي يقبعُ وجعٌ خفيٌ كلما أخفيته تملّق وظهر وألجَمَ لساني؛ فيزداد صمتي وتتكشف عنده أوجاعي وتتعرى أمام عينيّ، أتحسّس جروحي واحدًا تلو الآخر، فينتشر الألم في أرجاء جسدي ويهوي بي لقاعٍ سحيقٍ على قدر عمق الجراح، ثم تتساقط دموعي وتتناثر على تلك الجروح كأنها ذرات ملح فتأجج الألم؛ فيجعلني كأُمٍّ ترى أبناءها المفقودين على مرأى عينيها ولا تستطيع أن تبثَّ الروحَ في أجسادهم التي فارقت الحياة وفرّقت بينها وبينهم، وكلّ ما بقي لها ذكرياتٌ وبقايا آثار. تنوح عليهم في كل صوب؛ ولكن دون جدوى، فالميت لا يعود للحياة بعد أن تخرج روحه من جسده، كذلك الجراح ميّتة بالأصل؛ ولكنّها تظل يقظة حياة داخل صاحبها، ففي كلِّ لحظةِ ذكرى تمرُّ عليك؛ تقضمُ ظهرك، وتفتّت فؤادك من الحزن والآسى، تستسلم وتنكب على نفسِك وعلى قدرِ قوّتك ومقاومتك أنت فقط من يستطيع أن يطبطبَ على قلبك ويربّتَ على كتفِك، فكلما اشتدّ الألمُ اشتد ساعدك والتفّ على ذاتك؛ ليخرجَ هذا الضيف الثقيل على نفسِك، فمَن منّا لا يحمل مثل تلك الجراح والذكرى ويركنها أمامه في كلّ زاوية محاولاً تجاهلها والتغاضي عنها؛ ولكنها باقيةً في نقطةِ الذاكرة العمياء التي نسترجعها بمجردِ هبوبِ رياح الذكريات؛ كالمحارب الذي يحارب، محاولاً تحقيق هدفه؛ ولكن تجمعت بعض الأسباب التي أعاقتْ وصوله، ومنها انعدام صدق الأطراف التي يتعامل معها أو ضبابية المشاعر التي يحيطونك بها؛ فتقع في مصيدة الحيرة والتتخبّط ثم تفقد الثقةَ بمن حولك، كم هو جميل ومريح أن تمتلك شخصية واضحة وصادقة مع نفسك وتعرف جيدًا مشاعرك، لست متخبطًا ولا متحيرٌ في أمرِك، سهلٌ هينٌ ليّن، تُخطط لهدفِك وتصل إليه بنجاح دون أن تكون عبئٌ على أحدِهم متكأٌ على حول الله وقوته في نصرك وتأيدك، وتتقبلَ أمورَك برضاءٍ وصدر رحبٍ مهما أثْقَلَك الحزنُ وربضَ على صدرِك، تحاول أن تطرده بالدعاء والاستغفار، الحياة متقلبة جدًا وعلينا تقبلها والصراع من أجل البقاء على الصراط المستقيم دون خضوع؛ لأهوائنا وانكسار أنفسنا، فمع كل كسر يمر بك جبر من الرحمن يتبعك، كن على يقين من ذلك تغدو في راحةٍ واطمئنانٌ دائمين.