مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل السابع العلاقات التي خرجنا منها بوجوه جديدة بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل السابع
العلاقات التي خرجنا منها بوجوه جديدة
الكاتب هانى الميهى

لم يكن يعرف أنه سيدفع هذا الثمن.
دخل العلاقة بقلب بسيط، مثل كل الذين يصدقون أن الحب وحده يكفي، وأن النوايا الطيبة تحمي أصحابها من الخيبة، وأن القرب من شخص ما يعني بالضرورة الأمان معه. لم يكن يبحث عن معجزة، كان يريد شيئًا بسيطًا جدًا؛ أن يجد مكانًا يشعر فيه أنه مفهوم، وأن يكون كما هو دون أن يخاف من سوء الفهم أو الرحيل المفاجئ.
في البداية، كان كل شيء جميلًا. الكلمات سهلة، والاهتمام حاضر، والضحك أكثر من الصمت. كان يعتقد أن هذه هي الحياة التي انتظرها طويلًا، وأن بعض الأشخاص يأتون ليعيدوا للإنسان ثقته بالعالم.
لكنه لم يكن يعرف أن بعض العلاقات لا تنتهي حين يرحل أصحابها.
بل تبدأ بعدها حكاية أخرى.
حكاية الإنسان الذي يحاول أن يفهم: ماذا حدث له؟
كيف أصبح أكثر حذرًا؟
ولماذا لم يعد يثق بسهولة كما كان؟
ولماذا صار يقرأ الرسائل أكثر من مرة، ويخاف من التعلق، ويتردد قبل أن يفتح قلبه لأحد؟
العلاقات لا تتركنا كما نحن.
حتى تلك التي نظن أننا تجاوزناها.
هناك أشخاص يرحلون، لكنهم يتركون داخلنا طريقة جديدة للنظر إلى الحياة. يغيرون ردود أفعالنا، ويعيدون تشكيل مخاوفنا، ويجعلوننا أكثر حذرًا أو أكثر صمتًا أو أقل قدرة على الحلم.
أعرف فتاة كانت تحب الحديث كثيرًا. كانت تحكي تفاصيل يومها الصغيرة، وتضحك من قلبها، وتؤمن أن الصدق يكفي ليحافظ على كل شيء. ثم مرت بعلاقة جعلتها تراجع كل كلمة تقولها. أصبحت تفكر كثيرًا قبل أن تتحدث، وتخفي مشاعرها أكثر مما تعلنها، ليس لأنها تغيرت فجأة، بل لأنها تألمت بالطريقة التي تجعل الإنسان يعيد ترتيب نفسه بالكامل.
وأعرف رجلًا كان يمنح ثقته بسهولة. كان يرى الخير في الجميع، ويعتقد أن القلوب تشبه قلبه. لكن الحياة علمته درسًا قاسيًا. لم يصبح سيئًا بعده، لكنه لم يعد كما كان. صار يقترب ببطء، ويحب بحذر، ويترك دائمًا بابًا صغيرًا للهروب إذا شعر بالخطر.
وهذا هو الثمن الذي لا يتحدث عنه أحد.
لسنا نخسر الأشخاص فقط.
أحيانًا نخسر النسخة التي كنا عليها ونحن معهم.
نخسر عفويتنا.
واطمئناننا.
وقدرتنا على البدء دون خوف.
والمؤلم أن الناس ترى هذا التغير وتصفه بالنضج.
يقولون: لقد أصبح أكثر عقلانية.
أو: لقد تعلم من أخطائه.
لكنهم لا يرون أن وراء هذا النضج قلبًا تعب كثيرًا حتى وصل إلى هنا.
هناك فرق كبير بين الحكمة والخوف.
الحكمة أن تتعلم من الماضي.
أما الخوف، فهو أن تجعل الماضي يحكم مستقبلك كله.
ولهذا لا يجب أن تكون كل علاقة فاشلة سببًا لإغلاق قلبك، ولا كل خيبة سببًا لفقدان الثقة بالحياة.
فالذين أحبوا بصدق وخسروا، لم يكونوا أغبياء.
والذين منحوا قلوبهم للناس، لم يكونوا ضعفاء.
هم فقط كانوا شجعانًا بما يكفي ليعيشوا مشاعرهم كاملة.
وهذه ليست هزيمة.
الهزيمة الحقيقية أن تسمح لعلاقة واحدة أن تقنعك أن الحب كذبة، أو أن الوفاء نادر إلى درجة لا يستحق معها المحاولة.
الحياة لا تعدنا بعلاقات كاملة.
لكنها تمنحنا فرصة جديدة في كل مرة نظن فيها أن كل شيء انتهى.
وربما لا تكون النجاة الحقيقية من العلاقة المؤلمة، أن تنساها أو تمحوها من ذاكرتك.
بل أن تخرج منها بقلب أكثر فهمًا…
لا بقلب أكثر قسوة.
لأن بعض الناس يرحلون من حياتنا…
لكن الأخطر أن نسمح لهم بأن يأخذوا معنا الإنسان الجميل الذي كنا عليه.
رسالة الفصل
ليست كل علاقة خسرناها خسارة، لكن الخسارة الحقيقية أن نفقد أنفسنا ونحن نحاول نسيانها.