مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بحار الكتب

كتبت: زينب إبراهيم

 

أنهلُ من تلك اللجةِ كما يرتشفُ المحروم من ينبوعِ الحنان، فأنا كطفلٍ زار البحر لأول مرةٍ؛ فلم يره منذ كان صغيرًا، بل يراه ككتابٍ يعبر بهِ إلى الأفقِ ومركب صغير كأنه سفينةٌ تسير ببحارِ الكتب؛ أما عني فضئيلٌ أمام ذلك البحرُ الكبير، لكن حلمي أكبر مِن بحار الكُتب والكلماتِ، فالصغيرُ ليس صِغر السن؛ إنما صغرُ العقل والأفعال، فترى شخصًا في الصوعِ يقال له: الأطفال أنضجُ منك، فلا يقصدونَ أن عمره أصغرُ من الأطفال؛ إنما هي أفعالهِ ما تدل على صِغر عقله. 

لكنني أرى الشاطئ ملء بالغنائمِ التي عليّ الجني منها بقدرِ ما أستطيعُ وأكثر؛ لأن الكلِمات التي بالكتبٌ ليست مجرد كلماتٌ عادية، فهي كغذاءٍ لروحي قبل عقلي الذي يجول بالأفاقِ متدبرٌ في كل كلمة على حِدة في معانيها وما تحوى مِن معلوماتٍ جمة؛ أما عني كغواصٌ في بحار العالم يهوى الغمرَ كمحبوبته، فلا يعوقني ذلك الضمرِ عن خوض الطوف؛ لأنني أبصرُ القمة لا السفح، فإنني لا أكترثُ إلا لذروةِ الأمنيات ولا يعرقلُ سبيلي شيءٍ عن النيل بأمنياتٍ قابعة في وهدةِ فؤادي كلما بصرتُ بعيني أرى السحاب كهيئةِ السفينة التي تحتاجُ إلى قبطان؛ ليسيرُ بها نحو الأمامِ ولا تقف بِمقرها، فأشعرُ كأنني ذلك القُبطان المغوار الذي لا يهابُ شيئًا لا الأمواج أو حتى الأعاصيرَ التي تهبُ في وسطِ البحار؛ فالعلم أيضًا كذلك يكُن كالأمواجِ الهادئة في البحار التي تجعلُ الطريق يسير على المارةِ، لكن الجهلُ كما المرء يخافُ المضي قدمٌ نحو الأمام؛ لأنه لا يعلمُ ما ينتظره من عوائقٍ وهل هو قادرٌ على تخطيها أم لا؟ كذلك الطفلُ الصغير بداخل الإنسان كنبتةٍ ضئيلة وكلما مر الوقت كبرت وأنبتت؛ أما عن الذعر تِجاه السبيل تجد النبتةَ قد أودي بها قبل ينعها، فالبحرُ شهيق أمامك يا عزيزي، وأنت من ستختارُ العبور أم الوقف بِمكانك دون التقدم ولو إنش واحدٌ؟ وفي كِلتا الحالتين النتيجةُ معلومة ومترسخةٌ بذهنك والآن القرار معكَ والبحر أيضًا، ستجازف وتأخذ فرصةُ الإبحار في عالمِ الكتب؛ أما عدم الانقيادِ وإبصار الأمواج ذاهبًا وإيابًا، فتدعوك أن تأتي وتنالَ تلك اللذة في رؤيةِ أحلامك حقيقةٌ وليست مجردِ أمنيات في ذاتِك .